بدأ الخاطرة بالتعجب من المخلوق الذي يهلك نفسه في المخالفة والعادة أن يحرص المرء على نفسه، كل امرئ شحيح بنفسه، يخشى عليها من التلف ويستعمل الرخص الشرعية في بقاء نفسه، أي لا يتلفها، ورُّخِص له أن يقول كلمة الكفر لكي يحفظ نفسه.
سَبَب نُزُوْل هَذِه الْآَيَة: كما قال تعالي: {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل:106) ، نزلت هذه الآية في واقعة عمار بن ياسر مع الكافرين، وكان عمار ضعيف البنية، حتى أنه لما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يبني المسجد كان مريضًا وكان ناقهًا، أي في فترة نقاهة، فكان الناس يحملون لبنة لبنة وكان هو يحمل لبنتين، لبنتين، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ينفض التراب عن ظهره ويقول:"يا ويح بن سمية تقتله الفئة الباغية".فعمار كان ضعيف البنية، فلما عذبه المشركون وأبانوا له سبيل الخلاص من هذا العذاب وهو أن يسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وما أقول؟ قالوا: قل هو ساحر، هو كاهن، هو مجنون، التي هي تهم المشركين المعلبة التي كانوا يقذفون بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالها عمار هو ساحر، هو كاهن، هو مجنون، فلما برد جلده من هذا العذاب رجع لائمًا لنفسه كيف أقول هذا الكلام عن من أخرجني من الظلمات إلي النور، وعن من جعل الله- عز وجل- الهداية على يديه، ونحو هذا الكلام. ثم ذهب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتخلص من هذا عذاب الضمير، وقص عليه ما جري فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"يا عمار كيف تجد قلبك؟ قال: أجده مطمئنًا"