إنه ما من دابة تدب على الأرض - وهذا يشمل كل الأحياء من حشرات وهوام وزواحف وفقاريات - وما من طائر يطير بجناحيه في الهواء - وهذا يشمل كل طائر من طير أو حشرة وغير ذلك من الكائنات الطائرة. . ما من خلق حي في هذه الأرض كلها إلا وهو ينتظم في أمة، ذات خصائص واحدة، وذات طريقة في الحياة واحدة كذلك. . شأنها في هذا شأن أمة الناس. . ما ترك الله شيئًا من خلقه بدون تدبير يشمله، وعلم يحصيه. . وفي النهاية تحشر الخلائق إلى ربها. . فيقضي في أمرها بما يشاء. .
إن هذه الآية القصيرة - فوق تقريرها الحاسم في حقيقة الحياة والأحياء - لتهز القلب بما ترسم من آفاق الإشراف الشامل، والتدبير الواسع، والعلم المحيط، والقدرة القادرة، لله ذي الجلال ..." [1] ."
تخبطٌ في الظلمات
بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن أولئك المكذبين بآيات الله المعرضين عن الحجج الساطعات مثلهم في تخبطهم وضلالهم وعجزهم وضياعهم كمثل أصمٍّ أبكم لا يسمع ولا يتكلم وهو مع ذلك يتخبط في الظلمات فلا يرى بصيصَ نورٍ ولا يبصرُ طريقَ هدى.
ظلمات عديدة يتخبطون فيها: ظلمة التكذيب والإعراض، وظلمة الشرك، وظلمة الجهل، وظلمة التعصب الأعمى، والتقليد المذموم، وظلمة الشهوات والأهواء، ولو شاء الله تعالى لبصَّرَهم وهداهم صراطَه المستقيم، ولكنه تعالى عليمٌ بخباياهم مطَّلعٌ على أحوالهم، ولو علم فيهم خيرا لهداهم وأسمعهم سماعَ إجابةٍ وقبولٍ.
ضعف وافتقار!
وهم مع هذا العناد والإنكار والإعراض والاستكبار ضعفاء مفتقرون إلى ربهم، فإذا حل بهم بلاء أو نزلت بهم نازلة علموا أنه لا يكشفها إلا الله وحده فتوجهوا إليه مخلصين تاركين أصنامهم التي نافحوا عنها وهم يعلمون أنها لن تغني عنهم من الله شيئا، فإذا كشف الضرَّ
(1) - في ظلال القرآن 2/ 1080