واحد منها، والأول يلزم عليه أن يكون جميع الذكور حرامًا، والثاني يلزم عليه أن تكون جميع الإناث حرامًا، والثالث يلزم عليه تحريم الصنفين معًا فبطل ما فعلوه من تحريم بعضٍ في حالة وبعضٍ في حالة، لأن العلة على ما ذكر تقتضي إطلاق التحريم والأخذ عن الله بلا واسطة باطل ولم يدعوه، وبواسطة رسول كذلك لأنه لم يأت إليهم رسول قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا بطل جميع ذلك ثبت المدعي، وهو أن ما قالوه افتراء على الله وضلال. [1]
-لما بين تعالى فساد ما كان عليه أهل الجاهلية من تحريم ما أحل الله من غير حجة ولا برهان: بين أن طريق معرفة الحلال والحرام هو الوحي.
-لما بين عز وجل أن التحريم لا يكون إلا بوحيٍ إلهيٍّ ناسب ذلك الاستطراد لبيان المحرمات على من قبلنا فبين تعالى المحرمات على اليهود، حيث شدد الله عليهم عقابا لهم وتضييقا عليهم.
-يتعلل المشركون حين تعييهم الحجج بأن الله تعالى قد اختار لهم هذا الطريق ولو شاء لصرفهم عنه وهداهم إلى الحق وهذه حجةٌ واهيةٌ كثيرا ما يتعلل بها المجرمون ويتعلق بها الضالون أن هذا قدرُ الله بهم ولو شاء هدايتهم لهداهم، ونردُّ على هؤلاءِ بأنهم سلكوا طريق الضلال باختيارهم فلم يُرغموا عليه بل اختاروه طواعيةً وارتضوه منهجا ودعوةً.
الحجة: لا بد أن تكون مستندة إلى العلم والبرهان، فأما إذا كانت مستندة على مجرد الظن والخرص، الذي لا يغني من الحق شيئا، فإنها باطلة وقد قيل
والدعاوَى إن لم تقيمُوا عليها ... بيناتٍ أصحابُها أدعياءُ
قال تعالى {? ? ? ? ?•? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?•? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? } .
المناسبة
بعد إبطال حجج المخالفين وبيان ما هم عليه من زيغٍ وضلالٍ، ونقضِ معتقداتهم الفاسدة وتقاليدهم الراكدة جاءت هذه الآياتُ بالمنهج القويم المتمثِّل في تلك الوصايا الخالدة، الجامعة لأسسِ العقيدة وأصول الشريعة ومكارمِ الأخلاق.
قال البقاعي:"ولما أبطل دينهم كلَّه أصولًا وفروعًا في التحريم والإشراك، وبين فساده بالدلائل النيرة، ناسب أن يخبرهم بالدين الحق" [2] .
وثمَّة مناسبة أخرى: وهي بعد ما ذكر تعالى ما فعله المشركون من تحريم ما أحل الله، وما فعله تعالى باليهود من تحريمِ بعض الطيباتِ عليهم لتعنتهم وتشددهم وظلمهم وقسوة قلوبهم: ناسب ذلك الحديث عن المحرمات الثابتة في جميع الرسالات الربانية فقال سبحانه {? ? ? ? ?•? ? ? ? ? ? ? ? ?} ... إلى آخر الآيات
قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما: هذه الآيَاتُ المُحْكَمَاتُ التي ذكرها الله - تعالى - في سُورة «الأنعام» أجمعت عليها شرائِعُ الخَلْق، ولم تُنْسَخ قط في مِلَّةٍ، وقد قيل: إنَّها العَشْر كلمات المُنَزَّلة على مُوسَى - عليه السلام -. [3]
التفسير الإجمالي
اشتملت هذه الآيات الكريمة على تلك الوصايا الخالدة الجامعة، الراشدة الرائعة، فكان مستهلُّها تلك الدعوة العامة إلى العنايةِ بهذه الوصايا قال تعالى { ? ? ? ?•? ? ? ? ? ? ? ? ?}
ثم بدأ بأولِّها وأساسها وهو النهي عن الشركِ بجميع صورِهِ ومظاهِرِهِ، وهذا يعني إخلاص العبادة لله تعالى فلا ربَّ غيره ولا معبود سواهُ، والعقيدة الصحيحة هي الركن الأول من أركان الإسلام والأساس الراسخ لهذا البنيان الشامخ، وهي المحور العام لهذه السورة الكريمة.
(1) - الإتقان في علوم القرآن للسيوطي 2/ 137
(2) - نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي 2/ 740
(3) - اللباب لابن عادل - 7/ 229