فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 364

يكون الوارث وهو المفتي.

وبعدها أكد الشاطبي على أن التأسي بالأفعال هو من طباع البشر بل هو سر مبثوث فيها، وخير مثال على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا قومه للإيمان ونبذ الكفر، رفضوا ذلك تأسيا بآبائهم، ولكن حين دخلوا في الإسلام تسابقوا إلى الانقياد لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم.

فالشاطبي يؤكد على المفتي أن ينتصب للفتوى بفعله وقوله، أي أنه لا بد أن يحافظ على أفعاله حتى تجري على قانون الشرع ليُتخذ أسوة [1] .

أما الطريق الثالث وهو الإقرار فهو راجع إلى الفعل.

ثم نبه على أمر هام وهو: «أن الفتيا لا تصح من مخالف لمقتضى العلم» ، [2] أي: يجب على المفتي أن تكون أقواله وأفعاله موافقة للشرع حتى يصح الاقتداء به والتأسي، كما كان سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لو كان عمل المفتي مخالفًا لقوله لأدى إلى التنفير منه، وكان الأولى عدم اتباعه، وقد ذم الشارع مخالفة الفعل للقول في قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} . [3] وقوله تعالى: {كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ الله أنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ} [4] .

ولما كان المفتي خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقدوة للناس وجب عليه أن يسلك منهجا وسطا فلا يميل بمن جاءه مستفتيا كل الميل إلى الانحلال ولا إلى الشدة كي لا يخرج عن قصد الشارع في التكليف، إذ لا تكليف إلاّ بمستطاع، والدليل على صحة هذا، ما قاله الشاطبي: «أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط» [5] .

فالمستفتي إذا حُمّل من التكليف ما لا تطيقه نفسه، وقع في الحرج والضيق

(1) - انظر: الموافقات، 4/ 183.

(2) - المصدر نفسه، 4/ 184.

(3) - البقرة: 44.

(4) - الصف: 3.

(5) - الموافقات، 4/ 188.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت