المطلب الثالث:
الناحية الثقافية والفكرية.
شهدت الحركة الفكرية الأندلسية في مملكة غرناطة مرحلة النضج - في أواسط القرن الثامن الهجري وأواخره -، فعرفت ذروة قوتها وازدهارها وامتازت هذه الفترة بروعة إنتاجها الأدبي والعلمي، وربما كان للأحداث والفتن الداخلية الخطيرة التي عاشتها الأندلس أكبر أثر في تغذية هذه الحركة، وإمدادها بمختلف الانفعالات التي طبعت إنتاجها [1] ، فقد اشتهر مؤسس مملكة غرناطة باهتمامه وشغفه بالعلم وتبعه في ذلك ابنه محمد الفقيه فقد كان «يؤثر العلماء بعطفه ويقرض الشعر» [2] .
وقد اشتهر الأمير أبو الوليد إسماعيل ابن السلطان يوسف الثاني ببارع نثره وبتأليفه كتابا ترجم فيه لأعلام عصره بعنوان: «نثير الجمان فيمن ضمّني وإياهم الزمان» . [3]
فكان لملوك بني الأحمر دور مهم في إثراء النهضة الفكرية والثقافية في الأندلس، وتجلى ذلك في تأسيسهم لمؤسستين علميتين:
أولهما-الجامع الأعظم: أسس في عهد السلطان أبي عبد الله محمد الملقب بالمخلوع، الذي أمر ببنائه على أبدع طراز، فكان مركزا فكريا، تقام فيه حلقات الدرس، وأشهر من درس فيه: أبو سعيد بن لب، وأبو بكر أحمد بن جزي، وغيرهما.
وثانيهما - المدرسة النصرية [4] : أنشأها أبو الحجاج يوسف الأول في منتصف القرن الثامن على يد حاجبه أبي النعيم رضوان، وكان من مدرسيها: أبو جعفر أحمد بن خاتمة (ت: 770 هـ) وأبو إسحاق إبراهيم بن فتوح (ت:867 هـ) .
(1) - انظر: محمد عنان، نهاية الأندلس، ص 470.
(2) - ابن الخطيب، اللمحة البدرية، ص 38.
(3) - الكتاني، فهرس الفهارس، ت: إحسان عباس، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط:2، 1982، 1/ 144.
(4) - أحمد محمد الطوخي، مظاهر الحضارة في الأندلس في عصر بني الأحمر، الإسكندرية، مؤسسة شباب الجامعة، 1997، ص 316. وانظر: Nemesio Morata, Un Catalogo de Los Fondos Arabes Primitivos de la Escorial (Al-Andalus, 1944, Vol 2, p:108)