إن تمسّك الأندلسيين بالمذهب المالكي وإيثاره على غيره من المذاهب، لم يكن مجرد تقليدٍ محضٍ أو أمرا اتفاقيا، فإصرار علماء الأندلس، ومن ورائهم سواد الأمة، كان له أسباب [1] وعوامل؛ لذلك سأحاول إبرازها - باختصار- في ثلاثة عوامل أساسية: العامل النفسي والاجتماعي، والعامل الجغرافي، والعامل السياسي.
ويتلخص هذا العامل في الأسباب الآتية:
أولا: تأثير شخصية الإمام مالك على الأندلسيين:
لعل أبرز الأسباب التي جعلت علماء الأندلس وعامتهم يتمسكون بمذهب الإمام مالك، ما به من سلامة مسلكه في أمور العقيدة واشتهاره بشدة تحريه في رواية الحديث، والتوقف في الفتوى تورّعا واحتياطا مع بلوغه درجة الاجتهاد، فقد جمع إلى علم الحديث علم الفقه ويظهر ذلك جليا في كتابه الموطأ، بالإضافة إلى الأصول والقواعد التي بنى عليها مالك مذهبه، وهي الأصول نفسها المعتبرة لدى علماء المدينة وهي أصح أصول الإسلام في التشريع. يقول ابن تيمية: «من تدبّر أصول الإسلام وقواعد الشريعة وجد أصول مالك وأهل المدينة أصح الأصول والقواعد» [2] ، وأقرّ بهذا محمد بن الحسن الشيباني عندما ناظر الشافعي، فرجّح محمد صاحبه أبا حنيفة على صاحب الشافعي وهو مالك، فقال الشافعي: «
(1) - راجع أسباب وعوامل انتشار المذهب المالكي بالأندلس في:
-... نفح الطيب، 2/ 222؛ 3/ 230.
-... مقدمة ابن خلدون، ت: علي عبد الواحد وافي، القاهرة، دار نهضة مصر، ط 3، 3/ 1054.=
= - أبو زهرة، مالك، ص 344، 345.
-... عمر الجيدي، محاضرات في تاريخ المذهب المالكي في الغرب الإسلامي، ص 29 وما بعدها.
-... إحسان عباس، تاريخ الأدب الأندلسي، ص 27، 28.
-... محمد عبد المنعم خفاجة، قصة الأدب في الأندلس، ص 193 وما بعدها.
(2) - ابن تيمية، مجموع الفتاوى، 20/ 328.