الصفحة 3 من 6

ثانيا؛"هيئة علماء المسلمين"والجهاد في سبيل الله

قال الدكتور محمد عياش الكبيسي:

(الحكم الشرعي في مقاومة الاحتلال لا مجال فيه للاجتهاد والاختلاف والهيئة تبنت توضيح هذا الحكم الشرعي وإزالة الشبه التي يثيرها بعض العملاء أو الضعفاء .. ودعت في أكثر من موقف ومناسبة كافة أبناء الشعب العراقي إلى القيام بهذا الواجب المقدس .. وتحريم كل ما من شأنه أن يثبط المجاهدين أو يشككهم أو يفت في عضدهم مع تأكيد الهيئة في نفس الوقت أنها ليست جماعة عسكرية ولا جيشًا مسلحًا لكن واجبها أن تبين الحكم الشرعي بكل أمانة وصدق ... ) .

أقول: كلام الرجل يوضح حقيقة موقف الهيئة من قضية الجهاد في سبيل الله، فموقفها منه لا يعدوا القول إلى الفعل، ولا يجاوز الحناجر إلى السواعد .. وهل ينفع القاعدين عذرهم؟! أم هل تنفعهم تبريراتهم؟! فصورة جهاد الدفع لا يكفي فيها مجرد التأييد باللسان من تخاذل الجوارح، بل المشاركة فيه واجب عل جميع المستطيعين.

كما قال شيخ الإسلام: (فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فإنه يصير دفعه واجبًا على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لإعانتهم، كما قال الله تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاق} [الانفال: 72] ، وكما أمر النبي بنصر المسلم وسواء كان الرجل من المرتزقه للقتال أو لم يكن، وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة، والمشي والركوب .. كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق، لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو، الذى قسمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي ويقولون: {إن بيوتنا عورة وما هى بعورة ان يريدون إلا فرارا} ، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار) [1] .

فمن قعد عن المشاركة في الجهاد الواجب بعد ذلك فحينئذ يكون قعوده من جنس قعود أهل النفاق عن المشاركة في الجهاد الواجب، وتتناوله نصوص الذم المذكورة في الكتاب والسنة، كما في قوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُون * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُون * إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوص} [ (الصف: 2 - 4] . حيث ورد في سبب نزول هذه الاية"أن المنافقين كانوا يقولون للنبي وأصحابه لو قد خرجتم خرجنا معكم ونصرناكم فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم نكصوا عنه فنزلت هذه الآية، قاله ابن زيد) [2] ."

وكانوا من أحق الناس بوصف شيخ الإسلام لهم بـ"الطائفة المخذلة"، كما قال رحمه الله:(فهذه الفتنة قد تفرق الناس فيها ثلاث فرق:

-الطائفة المنصورة: وهم المجاهدون لهؤلاء القوم المفسدين.

-والطائفة المخالفة وهم هؤلاء القوم ومن تحيز اليهم من خبالة المنتسبين إلى الإسلام.

-والطائفة المخذلة وهم القاعدون عن جهادهم، وإن كانوا صحيحي الإسلام.

فلينظر الرجل أيكون من الطائفة المنصورة أم من الخاذلة أم من المخالفة فما بقى قسم رابع) [3] .

فهذا شيخ الإسلام لم يكتفي بأن أوجب الجهاد، وقال؛ لا يعدو موقفي عن البيان! بل شارك وساهم في بيده فضلًا عن قلمه ولسانه به ... وهؤلاء أسود التوحيد والجهاد على نهجه سائرون ولخطاه مقتفون.

وأما ما تظهره الهيئة من أعذار؛ فهي لا تخرج عن أن تكون من جنس الأعذار التي أظهرها سلفهم من المنافقين، والتي يظنون أنها تسوغ لهم التخلف عن الجهاد، وهي ليست بأعذار معتبرة شرعًا، والله تعالى قد ذم الذين قعدوا عن الجهاد الواجب وتذرعوا لقعودهم بالذرائع الباطلة ووضح أن فعلهم وتذرعهم هو من جنس صنيع المنافقين، حيث قال تعالى: {سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [الفتح: 11] ، وقال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِين * وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ} [ال عمران: 166 - 167] .

وكذلك هم ههنا يقولون؛ إنما نحن لا نعلم كيفية القتال، ولا نستطيع المشاركة فيه، ومشاركتنا فيه لا تحقق النفع للمجاهدين، وإن بقائنا في الصفوف الخلفية أنفع للجهاد كيما نمد صفوف المجاهدين بمن نجند، أو نفاوض عنهم وننافح، وكثير منهم يعرضون عن تجنيد أبنائهم وأخوانهم وأقربائهم إلى تجنيد الأبعد عنهم ممن يغتر بطروحاتهم فيجنبون أبنائهم وأخوانهم وأنفسهم ما يقحمون به أبناء المسلمين، فإلى الله المشتكى.

بل إن قعود من قعد من المرجئة عن القتال من الذين لا يوجبون الجهاد لما يظنونه عدم استكمال لشروط الجهاد، أو لما يزعمونه من مفاسد قد تنجم على الجهاد، هو أنفع لهم وأقرب لهم عذرًا عند الله من قعود من يوجب الجهاد على غيره ويحض عليه وهو جالس قابع خانع يتحين الفرص لقطف ثمار الجهاد في سبيل الله تعالى.

فـ"هيئة علماء المسلمين"في هذه المرحلة لا تعدوا أن تكون من قبيل"تجار الجهاد"الذين اتخذوا القضية الجهادية وسيلة لتحقيق مكاسب ذاتية ومادية ومعنوية، فأثخنت جيوب قياداتهم بالدولار التي تجمع باسم الجهاد، وتنعم"مثنى حارث الضاري"ابن الامين العام للهيئة بالزيارات الدولية التي يقوم بها تحت ذريعة أن الهيئة تمثل الجناح السياسي للمقاومة العراقية، وأصبح للهيئة نشاط إعلامي دولي .. تتسابق وسائل الإعلام لإجراء المقابلات مع ممثلي الهيئة! .. كل ذلك بفضل ما يقوم به المجاهدون، والذين استغلت الهيئة عملهم هذا في إبراز نفسها كواجهة سياسية للمقاومة.

وقد حذر من هذا الصنف من التيارات الإسلامية الشيخ أبو قتادة الفلسطيني بقوله:(مرّت فتراتٌ متقطّعة من أعمال الجهاد واقعة يتقمّصها غير أصحابها، ويتاجرُ بها غيرُ أبنائها، وسبب ذلك عائدٌ إلى عواملَ منها؛

رضا الجماهير المسلمة عن هذا الجهاد، ومن أجل الرِّفعة والظّهور على أكتاف المجاهدين، فتسارع هذه التّنظيمات الطّفيليّة إلى تقمّص دور البطولة، وإظهار نفسها في موقع الرّيادة في هذا الجهاد، فترتفع الأرصدة الإعلاميّة، وبالتّالي ترتفع الأرصدة الماليّة، وحينئذٍ يصبح الجهاد في مأزق حقيقيّ، حيث يضرب المجاهدون ضربًا شرسًا وذلك ليصبحوا تحت وطأة هؤلاء اللصوص وقطّاع الطّريق إلى الله تعالى، فتظهر الأمراض العجيبة، وتتكشّف النّفوس الخبيثة، ويقع الفِصام النّكد بين المجاهد الحقيقيّ والمموّل الخبيث - لص بغداد - وأمثلة هذا كثيرة الوقوع وعديدة فمِن أفغانستان إلى فلسطين إلى البوسنة والهرسك إلى سوريا .. إلى .. إلى ..

ومن هذه العوامل كذلك: إرضاء القواعد التّحتيّة المتململة، فالإنسان المسلم الفطري السويّ تتوق نفسه فطريًّا إلى الجهاد، وإلى المشاركة في مواطن العبوديّة لله ضدّ الكفر بجميع صنوفه وأشكاله، فمن أجل تفريغ هذا المِرجل من بخاره الغاضب، فلا بدّ من بعض المنفّسات للتّفريغ الذّكيّ الخبيث، فتسارع الجماعة إلى تبنّي أعمال جهاديّة لتقنع القيادة قواعدها أنّها لم تغيّر الطّريق، أو لتعريف قواعِدها أنّ هناك فرقًا بين ما هو معلن من أجل الغطاء السّياسي، وبين ما هو مخفيّ حقيقيّ) [4] .

1 -مجموع الفتاوى (28/ 358 - 359) .

2 -زاد المسير (8/ 250) .

3 -مجموع الفتاوى (28/ 416 - 417) .

4 -الجهاد والاجتهاد: 121 - 122

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت