الحكماء الذين تولوا علاجه لكي يخفى موته، وحمل في تابوت الى قلعة الروضة، وأُخفي موته، فلما مات السلطان أُحضرت زوجته شجر الدر الأمير فخر الدين بن الشيخ الشيوخ والطواشي بن جمال الدين محسن -وكان أقرب الناس الى السلطان- وأعلمتهما بموت السلطان، ووصتهما بكتمان موته؛ خوفا من الفرنج، فاتفقنا مع شجر الدر على القيام بتدبير المملكة الى أن يقدم الملك المعظم تورانشاه، فأحضرت شجر الدر الأمراء الذين بالمعسكر، وقالت لهم:"إن السلطان قد رسم بأن تحلفوا له، ولابنه الملك المعظم تورانشاه صاحب الحصن كيفا أن يكون سلطانًا بعده، وللأمير فخر الدين يوسف بن شيخ الشيوخ بالتقدمة على العساكر والقيام بالأتباكية وتدبير المملكة"فقالوا كلهم سمًا وطاعة؛ ظنًا أن السلطان حي، وحَلفوا بأسرهم وحلفوا سائر الأجناد والمماليك السلطانية. فكانت الكتب ترد من المعسكر وعليها علامة السلطان الملك صالح نجم الدين أيوب، فقيل إنها كانت بخدم خادم يقال له سهيل ولا يشك من رآه أنه خط السلطان ومشي هذا على الأمير حسام الدين نائب السلطنة مدة، هذا وشجر الدر تدبر الأمور حتى لم يتغير شيء وصار دهليز السلطاني على حاله، والسماط في كل يوم يمد، والأمراء تحضر الخدمة وهي تقول: السلطان مريض ما يصل إليه أحد) [1] .
ثم ذكر المقريزي أن معركتين حدثت في رمضان ولم يتم الإعلان عن وفاة السلطان حتى اليوم الثاني عشر من رمضان!
بمعنى آخر أن الجيش خاض معركتين ضد الصليبيين بأوامر من سلطان ميت يدينون له بالسمع والطاعة!
وأن الجنود والأمراء جددوا بيعتهم لأمير ميت!
فلم يقل أحد من العلماء الذين عاصروا تلك الحملة ومن أتى بعدهم أن الجنود والأمراء بصنيعهم هذا قد بلغوا مرحلة السفه أو الحمق أو الغباء الذي يسقط من شأنهم ويحط من قدرهم! بل الكل نظر إليهم بنظرة الاعجاب والتقدير لأنهم سحقوا الجيش الصليبي وهم يظنون أنهم يقاتلون تحت راية أمير حي!
(1) السلوك لمعرفة دول الملوك (1/ 441) وما بعدها.