المبرر الثاني
انهيار الحضارة الغربية
لقد انهارت الحضارة الغربية لأنها أرادت أن تطير بجناح واحد -الجناح المادي-، وأرادت أن تتعامى عن طبيعة الإنسان فما استطاعت أن تقوم على رجل واحدة.
لقد تسلم الرجل الغربي قيادة البشرية بعد أن خاض معركة شرسة مع الكنيسة، وبعد أن دفع ثمنا غاليا ليحطم القيود الوثيقة التي كبلته بها، ورأى بأم عينه زهرة أبناء مجتمعات أوروبا تحرق في الشوارع العامة على يد محاكم التفتيش الكنسية، ولذا سخط على الكنيسة وإلهها، ونفض عن كاهله غبار القرون المتراكم، وانطلق لا يلوي على شيء .. لا يقبل وصاية من دين ولا من حزب ولا يريد أن يؤمن بشيء يغل يده ويحجر على عقله، وحارب التفكير الديني والطابع الغيبي.
ولكن الجوعة الروحية التي كانت تشبع -نوعا ما- من خلال تردد هذا الرجل الغربي على الكنيسة وإيمانه بالآخرة ولقائه برجال الدين.
هذه الجوعة لم يعد يشبعها شيء بعد أن كفر الرجل الغربي بالكنيسة ورجالها، فحصل الفراغ الروحي الهائل وحاولت أوروبا أن تقيم من العقل إلها يسد الفراغ النفسي الرهيب ونصبت تمثالا لإله العقل في إحدى المدن الفرنسية وهو صورة أجمل امرأة في باريس، ودفعت بأمثال (هيجل ونيتشه) لسد الفراغ من خلال المدرسة (العقلية المثالية) ولكن هيهات هيهات.
وجاء (كومت) لينصب الطبيعة إلها مقام الكنيسة، ولكن لم تكن نتيجة محاولته تختلف عن المحاولات السابقة،