فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 151

{بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ولهذا رتب نفي الولد على كونه {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} في سورة الأنعام بقوله {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [1] .

وقوله {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} إلخ , كشف لشبهة النصارى واستدلال على أنه لا يتخذ ولدا بل يكوّن الكائنات كلها بتكوين واحد وكلها خاضعة لتكوينه وذلك أن النصارى توهموا أن مجيء المسيح من غير أب دليل على أنه ابن الله فبين الله تعالى أن تكوين أحوال الموجودات من لا شيء أعجب من ذلك وأن كل ذلك راجع إلى التكوين والتقدير , سواء في ذلك ما وجد بواسطة تامة أو ناقصة أو بلا واسطة , قال تعالى {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [2] .فليس تخلق عيسى من أم دون أب بموجب كونه ابن الله تعالى.

و] كان] في الآية تامة لا تطلب خبرا أي يقول له: إيجد فيوجد. والظاهر أن القول والمقول والمسبب هنا تمثيل لسرعة وجود الكائنات عند تعلق الإرادة والقدرة بهما بأن شبه فعل الله تعالى بتكوين شيء وحصول المكون عقب ذلك بدون مهلة بتوجه الآمر للمأمور بكلمة الأمر وحصول امتثاله عقب ذلك لأن تلك أقرب الحالات المتعارفة التي يمكن التقريب بها في الأمور التي لا تتسع اللغة للتعبير عنها [اهـ[3] .

وحاصل كلام الإمام ابن عاشور على هاتين الآيتين هو بيان زيف هذا الزعم الباطل , والرد على هذه الشبهة , وبين - رحمه الله - أن قوله جل وعلا: ... {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} لها من الدلائل والمعاني ما يفيد بأنه الخالق لكل شيء , وهذا وصف يستدل

(1) سورة الأنعام , الآية: 101.

(2) سورة آل عمران , الآية: 59.

(3) ابن عاشور , مرجع سابق 1/ 687 - 688.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت