فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 630

قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ضُربَتْ عَلَيْهمُ الذّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقفُوا إلَّا بحَبْلٍ منَ اللَّه وَحَبْلٍ منَ النَّاس ثُقفُوا: وُجدُوا. وَالذّلَّةُ بكَسْر الذَّال: ضَرْبٌ مَخْصُوصٌ منَ الذُّلّ لأَنَّهَا منَ الصّيَغ الَّتي تَدُلُّ عَلَى الْهَيْئَة، قيلَ: الْمُرَادُ بهَا هُنَا الْجزْيَةُ، وَقيلَ: مَا يُحْدثُهُ في النَّفْس منْ فَقْد السُّلْطَة وَهَذَا هُوَ الصَّحيحُ، وَقَدْ فَرَّقَ (الرَّاغبُ) بَيْنَ الذُّلّ بضَمّ الذَّال وَالذّلّ بكَسْرهَا فَقَالَ في الأول: إنَّهُ مَا كَانَ عَنْ قَهْرٍ، وَفي الثَّاني: مَا كَانَ بَعْدَ تَصَعُّبٍ وَشمَاسٍ، وَمنْهُ تَذْليلُ الدَّوَابّ. وَضَرْبُ الذّلَّة عَلَيْهمْ أَيْ عَلَى الْيَهُود عبَارَةٌ عَنْ إلْصَاقهَا بهمْ وَظُهُور أَثَرهَا فيهمْ كَمَا يَكُونُ منْ ضَرْب السّكَّة بمَا يُنْقَشُ فيهَا، أو عَنْ إحَاطَتهَا بهمْ كَإحَاطَة الْخَيْمَة الْمَضْرُوبَة بمَنْ فيهَا، وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلكَ كُلّه للْأُسْتَاذ الْإمَام في تَفْسير وَإذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحدٍ [2: 61] الْآيَةَ فَلْيُرَاجَعْ ; فَإنَّ مَا هُنَا لَا يُغْني عَنْهُ. وَالْحَبْلُ: يُطْلَقُ عَلَى الْعَهْد ; لأَنَّ النَّاسَ يَرْتَبطُونَ بالْعُهُود كَمَا يَقَعُ الارْتبَاطُ الْحسّيُّ بالْحبَال، وَذَلكَ قَوْلُ أَبي الْهَيْثَم للنَّبيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ - حينَ أَتَتْهُ الْأَنْصَارُ في الْعَقَبَة: أَيُّهَا الرَّجُلُ إنَّا قَاطعُونَ فيكَ حبَالًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاس وَيُسَمَّى السَّبَبُ في اللُّغَة حَبْلًا وَالْحَبْلُ سَبَبًا. قيلَ: إنَّ الْمَعْنَى إلَّا بعَهْدٍ أو سَبَبٍ يَأْمَنُونَ به في بلَاد الإسلام كَمَا قَالَ ابْنُ جَريرٍ، وَقيلَ: السَّبَبُ منَ اللَّه الْإسْلَامُ، وَالسَّبَبُ منَ النَّاس الْعَهْدُ أو التَّأْمينُ. وَاخْتَارَ (الرَّازيُّ) أَنَّ الْحَبَلَ منَ اللَّه هُوَ الْجزْيَةُ، أَي الذّمَّةُ الَّتي تَحْصُلُ بقَبُولهمْ دَفْعَ الْجزْيَة. وَالْحَبْلُ منَ النَّاس هُوَ مَا فُوّضَ إلى رَأْي الْإمَام فَيَزيدُ فيه تَارَةً وَيَنْقُصُ بحَسَب الاجْتهَاد. وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإمَامُ: أَيْ إنَّ حَالَهُمْ مَعَكُمْ أَنْ يَكُونُوا أَذلَّاءَ مَهْضُومي الْحُقُوق رَغْمَ أُنُوفهمْ إلَّا بحَبْلٍ منَ اللَّه وَهُوَ مَا قَرَّرَتْهُ شَريعَتُهُ لَهُمْ إذَا دَخَلُوا في حُكْمكُمْ منَ الْمُسَاواة في الْحُقُوق وَالْقَضَاء وَتَحْريم إيذَائهمْ وَهَضْم شَيْءٍ منْ حُقُوقهمْ، وَحَبْلٍ منَ النَّاس وَهُوَ مَا تَقْتَضيه الْمُشَارَكَةُ في الْمَعيشَة من احْتيَاجكُمْ إلَيْهمْ وَاحْتيَاجهمْ إلَيْكُمْ في بَعْض الْأُمُور ; أَيْ فَهَذَا الْقَدْرُ الْمُسْتَثْنَى منْ عُمُوم الذّلَّة لَمْ يَأْتهمْ منْ أَنْفُسهمْ وَإنَّمَا جَاءَهُمْ منْ غَيْرهمْ، فَهُمْ لَا عزَّةَ لَهُمْ في أَنْفُسهمْ لأَنَّ السُّلْطَانَ وَالْمُلْكَ قَدْ فُقدَا منْهُمْ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت