فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 630

وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا الَّذي قَالَهُ الْأُسْتَاذُ الْإمَامُ أَظْهَرُ وَأَشَدُّ انْطبَاقًا عَلَى الْوَاقع، فَلَقَدْ كَانَ النَّبيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه وَسَلَّمَ - يُحْسنُ مُعَامَلَتَهُمْ وَيَقْتَرضُ منْهُمْ، وَكَذَلكَ كَانَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشدُونَ يَفْعَلُونَ، وَقَضيَّةُ عَليٍّ مَعَ الْيَهُوديّ عنْدَ عُمَرَ مَشْهُورَةٌ، وَفيهَا أَنَّ عَليًّا أَنْكَرَ عَلَى عُمَرَ مُخَاطَبَتَهُ أَمَامَ خَصْمه الْيَهُوديّ بالْكُنْيَة وَفيهَا تَعْظيمٌ يُنَافي الْمُسَاواةَ بَيْنَهُمَا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أيضا تَفْسيرُ وَبَاءُوا بغَضَبٍ منَ اللَّه وَضُربَتْ عَلَيْهمُ الْمَسْكَنَةُ في آيَة الْبَقَرَة الْمُشَار إليها آنفًا. بَاءُوا بالْغَضَب: كَانُوا أَحقَّاءَ به منَ الْبَوَاء وَهُوَ الْمُسَاواةُ، يُقَالُ بَاءَ فُلَانٌ بدَم فُلَانٍ أو بفُلَانٍ إذَا كَانَ حَقيقًا أَنْ يُقْتَلَ به لمُسَاواته لَهُ، أو أَقَامُوا فيه وَلَبثُوا منَ الْمَبَاءَة أَيْ حَلُّوا مُبَوَّأً أو بيئَةً منَ الْغَضَب. وَقَدْ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الْمَسْكَنَةَ بالْفَقْر، وَإنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُ الْبَيْضَاويّ: إنَّ الْيَهُودَ في الْغَالب أَهْلُ فَقْرٍ وَمَسْكَنَةٍ! وَلَيْسَت الْمَسْكَنَةُ هيَ الْفَقْرُ وَإنَّمَا هيَ سُكُونٌ عَنْ ضَعْفٍ أو حَاجَةٍ. قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإمَامُ هُنَا: إنَّ الْمَسْكَنَةَ حَالَةٌ للشَّخْص مَنْشَؤُهَا اسْتصْغَارُهُ لنَفْسه حَتَّى لَا يَدَّعيَ لَهُ حَقًّا، وَالذّلَّةُ حَالَةٌ تَعْتَري الشَّخْصَ منْ سَلْب غَيْره لحَقّه وَهُوَ يَتَمَنَّاهُ، فَمَنْشَؤُهَا وَسَبَبُهَا غَيْرُهُ لَا نَفْسُهُ كَالْمَسْكَنَة، وَكَأَنَّ الْبَيْضَاويَّ أَخَذَ عبَارَتَهُ منْ قَوْل الْكَشَّاف في سُورَة الْبَقَرَة: فَالْيَهُودُ صَاغرُونَ أَذلَّاءُ أَهْلُ مَسْكَنَةٍ وَمَدْقَعَةٍ إمَّا عَلَى الْحَقيقَة وَإمَّا لتَصَاغُرهمْ وَتَفَاقُرهمْ خيفَةَ أَنْ تُضَاعَفَ الْجزْيَةُ عَلَيْهمْ وَهَذَا الْوَصْفُ أَكْثَرُ انْطبَاقًا عَلَيْهمْ في أَكْثَر الْبلَاد في ذَلكَ الْعَصْر. وَنَقَلَ الرَّازيُّ أَنَّ الْأَكْثَرينَ فَسَّرُوا الْمَسْكَنَةَ بالْجزْيَة ; لأَنَّهَا هيَ الَّتي بَقيَتْ مَضْرُوبَةً عَلَيْهمْ، أَخَذُوا هَذَا منْ ذكْرهَا بَعْدَ الاسْتثْنَاء، أَيْ أَنَّ الذّلَّةَ ضُربَتْ عَلَيْهمْ لَا تَرْتَفعُ عَنْهُمْ إلَّا بحَبْلٍ منَ اللَّه وَحَبْلٍ منَ النَّاس، فَاسْتَثْنَى منَ الذّلَّة ثُمَّ ذَكَرَ الْمَسْكَنَةَ وَلَمْ يَسْتَثْن فَاقْتَضَى ذَلكَ بَقَاءَهَا عَلَيْهمْ. وَإذَا كَانَ الْمُرَادُ منَ الْجزْيَة كَوْنُهُمْ تَابعينَ لغَيْرهمْ يُؤَدُّونَ إلَيْه مَا يَضْربُ عَلَيْهمْ منَ الْمَال وَادعينَ سَاكنينَ فَهَذَا الْوَصْفُ صَادقٌ عَلَى الْيَهُود إلى الْيَوْم في كُلّ بقَاع الأرض، وَأَمَّا الذُّلُّ فَقَدْ كَانَ ارْتَفَعَ عَنْهُمْ في بلَاد الْمُسْلمينَ بحَبْلٍ منَ اللَّه، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ منْ وُجُوب مُعَامَلَتهمْ بالْمُسَاواة وَاحْترَام دمَائهمْ وَأَعْرَاضهمْ وَأَمْوَالهمْ، وَالْتزَام حمَايَتهمْ وَالذَّوْد عَنْهُمْ بَعْدَ إنْقَاذهمْ منْ ظُلْم حُكَّامهمُ السَّابقينَ الظَّالمينَ، وَبحَبْلٍ منَ النَّاس بمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، ثُمَّ ارْتَفَعَ عَنْهُمْ فيمَا عَدَا رُوسْيَا منْ بلَاد اورُبَّا بحَبْلٍ منَ النَّاس،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت