وبدأ بخداع الشّعب, بالحديث عن إحياء التّراث العربيّ واللّغة العربيّة والمجد العربيّ, ولم يكن لذلك في واقع الأمر أساس حقيقيّ, فكلّ أعمال هذا الوالي أظهرت معاداته للفكرة العربيّة, وخوفه من الحركة العربيّة, مما دفعه إلى نشر جواسيسه, وتتبّع أخبار رجالات الحركة العربيّة, وتشتيت الكتائب العربيّة الموجودة ضمن الجيش العثمانيّ في دمشق إلى الأناضول, واستبدالها بكتائب تركيّة. وكان من نتائج هذه السّياسة المستبدّة القبض على العديد من رجالات العرب, وتعليق أفواج منهم على المشانق [1] . مما جعل العرب يوازنون بين الحكم التّركي واستمراره, أو الثّورة عليه بمساعدة حليف أجنبيّ, فرأى معظمهم أنّ مصلحة العرب تقتضي إضرام نار الثّورة [2] .
وكان للتّدبير الخارجي, وللخطط الّتي رسمتها الدّول الغربيّة, لتفكيك الدّولة العثمانيّة والقضاء عليها, بمساعدة بعض الفئات العربيّة, وذلك من أجل مصالحها الخاصّة في المنطقة, أثر كبير في حثّ العرب, وتزيين الثّورة في عيونهم على الحكم التركيّ. فعملت على إثارة الفتن والاضطرابات داخل الدّولة, وشجّعت الخلافات المذهبيّة والطّائفيّة والعرقيّة, من أجل الوصول إلى غايتها المرجوّة [3] .
وبالفعل قامت الثّورة في عام 1916 م, بقيادة الشّريف حسين شريف مكّة [4] ، وبتحالف مع بريطانيا العظمى, حيث جرت اتصالات بين العرب والبريطانيين أسفرت
(1) ـ قدّورة, زاهية, تاريخ العرب الحديث, بيروت, دار النّهضة العربيّة, ط 2, 1405/ 1985, 240 ـ 241.
(2) ـ طربين, أحمد, تاريخ المشرق العربيّ المعاصر, 3.
(3) ـ الخالدّي, مصطفى, وفروخ, عمر, التّبشير والاستعمار في البلاد العربيّة, صيدا, المكتبة العصريّة, ط 3, 1406/ 1986, 135.
(4) ـ الشّريف حسين,1270 ـ 1350/ 1854 ـ 1931, أوّل من أعلن في الحجاز استقلال العرب عن التّرك, وآخر من حكم مكّة من الأشراف. ولد في الأستانة, وكان أبوه منفيًّا بها، وانتقل معه إلى مكّة فتأدّب وتفقّه ونظم الشّعر. نفي من قبل الإنكليز إلى قبرص فأقام ست سنين, لكنّه مرض فسمح له الإنكليز بالسّفر إلى عمّان, وبها مات, ودفن في المسجد الأقصى؛ انظر, الزّركلي, خير الدّين, الأعلام, بيروت, دار العلم للملايين, ط 10, 1412/ 1992, 2, 250؛ ومجموعة من المؤلفين, المنجد في الأعلام, بيروت, دار الشّرق, ط 23, 1421/ 2001, 221.