وقام السّيّد محب الدّين بفتح فرع لهذه المطبعة في مكّة المكّرمة, وقال في ذلك:"مكّة المكّرمة أحقّ بلاد المسلمين بأن يُعنى المسلمون بجعل مقامها العلميّ الإصلاحيّ متناسبًا مع مقامها القدسيّ الإسلاميّ, وكان من حقّها أن تصدر منها ألوف المطبوعات في علوم القرآن والسّنة, وفنون دين اللّه الخالص, فينتشر ذلك في آفاق الشّرق والغرب من بلاد الإسلام, وغير بلاد الإسلام, تبيانًا للهداية المحمّديّة, وترسيخًا لعقيدتها في قلوب الأمم. ولأمر ما لم يحدث شيء من ذلك في مائتي سنة خلت, أي منذ وُجدت الطّباعة في الشّرق إلى الآن. أمّا الدّولة العثمانيّة فلا نعلم عذرها في التّقاعد عن إيجاد هذه النّهضة, وأمّا الملك حسين فكان يخاف المطابع ولا تلذّ له ثمراتها إلّا إذا كانت من نوع أسلوبه المعلوم. أمّا الملك عبد العزيز بن السّعود فإنّ حياته من بدايتها محفوفة بالتّوفيق , وفي ظلّ هذه الدّولة الموفّقة إلى الخير نزلت المطبعة السّلفيّة إلى ميدان العمل , وستدور آلات هذه المطبعة من الآن إلى ما شاء اللّه عاملة على نشر كلّ ما فيه خير للإسلام والعرب, من مؤلّفات قيّمة وصحف طيّبة. وأملنا وطيد, إن شاء اللّه, بأنّه لا يمرّ قليل من السّنين على فرع المطبعة السّلفيّة في مكّة, حتّى تنتشر منه في أنحاء المعمورة عشرات الألوف من الكتب الممتعة النّافعة, حاملة اسم مكّة حيثما احتملها البريد, وحيثما بلغ بها المطاف" [1] .
وعندما غادر السّيّد محب الدّين إلى الحديدة في اليمن شعر"بحاجة الحديدة وسائر اليمن إلى أن تبدأ فيها حياة للطّباعة والصّحافة, تنهض بالمستوى الفكريّ والثّقافيّ, ففاوض إخوانه من العسكريين والمدنيين والأعيان والتّجار, في أن تؤسس شركة لذلك باسمهم, قيمة السّهم الواحد منها جنيه استرليني واحد ذهبًا, فوافقوا على ذلك, وعلى أن يكون إسم المطبعة مطبعة جزيرة العرب, وعلى أن تصدر منها صحيفة باسم جزيرة العرب أيضًا, وكُتبت قائمة أولى بأسماء الرّاغبين في الاكتتاب وبلغت الحميّة ببعضهم أن اكتتبوا بمقادير من الأسهم تبرّعًا لا بقصد الاستفادة من"
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"المطبعة السّلفيّة في مكّة المكرّمة", في الفتح, 149 (ذوالحجّة, 1347) , 7.