6 ـ رأي طريف بوعد بلفور:
وللسّيّد محب الدّين الخطيب رأي طريف بالنّسبة لوعد بلفور, فهذا الوعد في رأيه هو شؤم على اليهود, وخير على العرب والمسلمين. وذلك لأنّ هذا الوعد أفقد اليهود مكانتهم بين أمم أوروبّا, ولأنّه جرّ عليهم عداء المسلمين في كلّ أرجاء الأرض, وبالتّالي هو شؤم أيضًا على الإنكليز لأنّه ورّطهم, أمّا العرب فهو خير عليهم لأنّه أيقظهم من نومهم.
ووعد بلفور هو الّذي جرّأ اليهود على هذا البغي, ففقدوا مكانتهم القديمة في أمم أوروبّا, واستنفروا مائة مليون من العرب, وأربعمائة مليون من المسلمين لمقاومتهم. فهو مشؤوم عليهم بما جرّه عليهم في العشرين سنة الماضيّة من شرّ قليل, وبما سيجرّه عليهم في العشرين سنة المقبلة من شرّ عظيم, وكان مشؤومًا على الإنكليز لأنّهم لا يعرفون كيف ينقذون أنفسهم من الورطة الّتي وقعوا فيها بسبب هذا الوعد أمّا العرب والمسلمون فكان مباركًا لهم, لأنّه أيقظهم من نومهم, وحثّهم على استعمال قواهم الكامنة, وسجاياهم الّتي عطّلوها, وكادوا ينسون أنّهم أصحابها [1] .
وكان يرى أنّ مصيبة العرب باليهود أيسر من مصيبة اليهود بالصّهيونيّة, لما جرّته على اليهود من مصائب لا يعرفون كيف يخرجون منها. فمصيبة العرب في فلسطين أيسر بكثير من مصيبة اليهود أنفسهم بنفر منهم اعتنقوا الأوهام الصّهيونيّة, وخادعوا بني قومهم, وورطوهم في سراديب عرفوا مداخلها, وعُمّيت عليهم المخارج [2] .
7 ـ عودة اليهود إلى بلادهم:
واعتبر السّيّد محب الدّين أنّ السّبب الّذي دفع اليهود للخروج من بلادهم, وهو الاضطهاد الّذي تعرّضوا له على يد أتباع النّازيّة, قد زال, لذلك يجب أن تعود الحالة كما كانت قبل الاضطهاد وأن يُسمح لليهود بالعودة إلى أوطانهم, لأنّ المنطق الفطريّ السّليم في رأيه صار يقضي بالرّجوع في أمر اليهود على ما كانوا عليه قبل الاضطهاد, أي أن يرجع كلّ مولود في بلد إلى البلد الّذي وُلد فيه , ثمّ إنّ الحلّ الجديّ لقضيّة اليهود المظلومين فيما مضى, بإخراجهم من أوطانهم لا سبيل إليه إلّا برفع هذا الظّلم عنهم, بإعادتهم من فلسطين إلى أوطانهم, إلى ألمانيا والنّمسا وبولندا وروسيا وأمريكا وأيّ مكان آخر وُلدوا فيه, ولم يعد يقدر أحد أن يمنعهم من العودة إليه [3] .
مما سبق, يتّضح لنا أنّ السّيّد محب الدّين كان يعرف أنّ السّبب الّذي مكّن اليهود من فلسطين هو الضّعف, وأنّ السّبيل إلى استعادة الحقّ لا يكون إلّا بمعرفة العدوّ, والاستعداد الكامل لمواجهته. وعلى جميع العرب والمسلمين أن يقدّموا كلّ ما يستطيعون لهذه المواجهة, من مال وعلم ومعرفة وجهاد. وأنّ العالم كلّه وخصوصًا بريطانية, مسؤول عن إعادة الحقّ لأصحابه, وإعادة اليهود إلى أراضيهم. وأنّ الصّهيونيّة ووعد بلفور هي شؤم على اليهود, لما جرّته عليهم من شرور, ولما ستجرّه عليهم من مصائب في المستقبل القريب.
(1) ـ الخطيب, محب الدّين,"مشؤوم", في الفتح, 828 (ذو القعدة, 1364) , 436.
(2) ـ الخطيب, محب الدّين,"مصيبة العرب باليهود ومصيبة اليهود بالصّهيونيين", في الفتح, 842 (ربيع الآخر , 1366) , 685.
(3) ـ الخطيب, محب الدّين,"نظرات جديدة إلى قضيّة فلسطين", في الفتح, 827 (شوال, 1364) , 420.