كانوا مستبدّين لدرجة كبيرة, وسيطرت عليهم فكرة بعث القوميّة التّركيّة, دون الاهتمام بغيرهم من أهل القوميّات الأخرى, وبدأوا بإضفاء"الطّابع القوميّ, وتتريك دولتهم ومجتمعهم, وكانت اللّغة التّركيّة هي اللّغة الّتي نصّ القانون على استعمالها من قبل مكاتب البريد, واللّغة الّتي يجب أن تستعمل في جميع الإتصالات الّتي تجري مع وزارة الماليّة, وتبع ذلك مرسوم يقضي بأن تكون لافتات جميع المخازن التّجاريّة باللّغة التّركيّة" [1] .
وكرد فعل على هذه الحركة القوميّة التّركيّة, وبتشجيع من الأوروبّيين الطامعين, قامت الدّعوة العربيّة المطالبة بحقوق العرب, وكانت هذه الحركة تسعى لغاية اتّفق عليها أصحابها, وهي قيام كيان قوميّ يضمّ مختلف الأقطار العربيّة, موّحد الشّعور, والثّقافة, والأهداف, والمصالح, والجهاز السّياسي, والاقتصادي, والعسكري. ويكون من القوّة بحيث يضمن للأمّة العربيّة الحريّة والكرامة والسّيادة" [2] . لذلك فقد كان التّحوّل نحو أفكار وعمليّة الانفصال"هو المخرج الوحيد المفتوح والّذي دُفع إليه العرب دفعًا, للنجاة من خطر التّتريك, أو محو الشّخصيّة والثّقافة الوطنيّة, أو اللّغة والتّاريخ والثّقافة العربيّة, وذلك على الرّغم من كلّ مخاطر عمليّة الانفصال" [3] ."
وبدأت تظهر إلى حيّز الوجود الأفكار الّتي تناقش أحقّيّة العرب في أن تكون لهم دولة مستقلّة, تحفظ حقوقهم ولغتهم وتاريخهم. وظهرت أيضًا الأفكار الّتي تبيّن أنّ الخلافة الإسلاميّة يجب أن تكون في العرب وحدهم دون سواهم لأنّهم أهل الرّسالة, مستندةً إلى أساس فقهي في الشّريعة الإسلاميّة [4] . وهكذا بدأ التّفكير والتّحضير لقيام الثّورة العربيّة, وانفصال العرب عن التّرك.
وخير من يبيّن لنا التّيارات والمواقف من الدّولة العثمانيّة في أواخر القرن التّاسع عشر, الكاتب الأستاذ ساطع الحصري [5] الّذي يقول:"إنّ مواقف العرب المسلمين من الدّولة العثمانيّة في أواخر القرن التّاسع عشر كانت تنمّ عن عدة تيارات واتّجاهات:"
1 ـ السّواد الأعظم منهم مرتبط بالدّولة على علّاتها.
2 ـ ولكنّ جماعات من المتنوّرين المتجددين كانت تنتقد أحوال الدّولة, وتشتكي منها, وتدعو إلى تغييرها:
أ ـ جماعة تتمنى قيام خلافة عربيّة تعيد الحقّ إلى أصحابه.
ب ـ جماعة تُطالب الدّولة بإجراء إصلاحات جدّيّة في البلاد.
ج ـ جماعة تشترك مع أحرار الأتراك للدعوة إلى إصلاحات عامّة تشمل جميع البلاد العثمانيّة.
د ـ جماعة تطالب بمراعاة حقوق العرب في مختلف شؤون الدّولة" [6] ."
(1) ـ حوراني, ألبرت, وس خوري, فيليب, وويلسون, ماري ك, الشّرق الأوسط الحديث, 1, 170.
(2) ـ دروزة, محمّد عزّة, حول الحركة العربيّة الحديثة, 1, 6.
(3) ـ الخطيب, محمّد كامل, المؤتمر العربيّ الأوّل في باريس, 16.
(4) ـ وذلك لحديث النّبي - صلى الله عليه وسلم -"الأئمة من قريش, أبرارها أمراء أبرارها, وفجّارها أمراء فجّارها ..."إلى آخر الحديث, وهو حديث صحيح؛ انظر, السّيوطي, جلال الدّين أبو الفضل عبد الرحمن بن الكمال (- 911/ 1505) , الجامع الصّغير, بيروت, دار الفكر, 1401, 1, 480.
(5) ـ ساطع الحصري, ولد في صنعاء اليمن عام 1879 م. أصبح وزيرًا للمعارف في الحكم الفيصلي بدمشق, وخرج معه من سوريا والتحق به في العراق, حيث تولّى شؤون المعارف والثّقافة, عمل مستشارًا للجنة الثّقافيّة في جامعة الدّول العربيّة, توفّي في بغداد عام 1968 م؛ انظر, الزّركلي, خير الدّين, الأعلام, 3, 70؛ والعطري, عبد الغني, أعلام ومبدعون, دمشق, دار البشائر, 1420/ 1999, 98.
(6) ـ الحصري, ساطع, محاضرات في نشوء الفكرة القوميّة, بيروت, مركز دراسات الوحدة العربيّة, ط 2, 1985, 123 ـ 131.