ورعه:
ومن شِيَمِهِ الرفيعة التي تحلى بها شِيمةُ الورع؛ إذ قد ظفر منها بالنصيب الأوفى، وبلغ منها مبلغًا عظيمًا لا يدانيه إليه أحد، ومن الحكايات المروية عنه، الدالة على اتصافه بالورع: ما ذكره ابن السمعاني [1] ؛ إذ يقول: إنه سمع بعضهم يقول: دخل أبو إسحاق يومًا مسجدًا ليتغذَّى فنسى دينارًا، ثم ذكر فرجع فوجده ففكر، ثم قال: لعله وقع من غيري، فتركه.
وقيل أيضًا: إن الوزير نظام الملك بَنَى لأبي إسحاق المدرسة"النظامية"ليتولى التدريس بها، لكنه رفض ذلك عندما علم أن أدوات بنائها وآلاتها مغصوبة، لكنه قَبِلَ التدريس بها إذعانًا لرغبة تلاميذه ومحبيه، وكان إذا حضر وقت الصلاة يخرج منها إلى مسجد قريب يصلي فيه ثم يرجع [2] .
تواضعه:
لم يكن الشيخ أبو إسحاق الشيرازي تيَّاهًا بعلمه، فخورًا بوفرة محصوله ورسوخ قدمه في الفقه والأصول وغيرهما من علوم الشريعة، بل كان شديد التواضع، وقد بدا ذلك في سلوكه وتصرفاته قبل أن يظهر في قوله وكلامه، فراض نفسه وهذبها حتى خضعت ولانت، وسهل قياد زمامها على منهاج القيم النبيلة وطريق الآداب الرفيعة.
قال القاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري: حملت يومًا فُتْيَا إلى الشيخ أبي إسحاق، فرأيته وهو يمشي، فسلمت عليه، فمضى إلى دكان خباز، وأخذ قلمه ودواته منه، وكتب الجواب في الحال، ومسح القلم في ثوبه، وأعطاني الفتوى [3] .
ومما روى عنه دالًا على شِيمَة التواضع فيه: ما قاله أبو البركات عبد الوهاب بن المبارك الأنماطي: كان الشيخ يتوضأ في الشط فنزل المشرعة يومًا، وكان يشك في غسل وجهه، ويكرر حتى غسل نُوَبًا عدة، فوصل إليه بعض العوام وقال له: يا شيخ، أما تستحي تغسل وجهك كذا وكذا نوبة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"من زاد على الثلاث فقد أسرف"؟! فقال له الشيخ: لو صح لي الثلاث ما زدت عليها. فمضى وخلاه، فقال له واحد: ماذا قلت لذلك الشيخ الذي كان يتوضأ؟ فقال الرجل: ذاك شيخ موسوس، قلت له: كذا على كذا. فقال له: يا رجل، أما تعرفه؟ فقال: لا. قال: ذاك إمام الدنيا وشيخ المسلمين، ومفتي أصحاب الشافعي؛ فرجع ذلك الرجل خجلًا إلى الشيخ، وقال: يا سيدي، تعذرني فإني قد أخطأت وما عرفتك. فقال الشيخ: الذي قلت صحيح؛ فإنه لا يجوز الزيادة على الثلاث، والذي أجبتك أيضًا صحيح: لو
(1) هو تاج الإسلام عبدالكريم بن محمد بن أبي المظفر المنصور عبدالجبار السمعاني الفقيه الشافعي الحافظ المحدث أحد الأئمة المصنفين، كتب عن أربعة ألاف شيخ، مصنف الأنساب وغيره. (البداية والنهاية(12/ 175 ) ) .
(2) ينظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (4/ 218) .
(3) ينظر: طبقات الشافعية لابن السبكي (4/ 219) .