الصفحة 58 من 354

مسألة: هل يَشْمُل هذا الحُكْم مَنْ دونَ البُلُوغ. قال بعض العلماء: لا يَشْمُل الصِّغارَ لأنَّهم غير مكلَّفين. وهل يلزم وَلِيُّهُ أنْ يأمره بذلك، أو لا يلزمه؟ الصَّحيح عند الشَّافعية: أنه لايلزمه الوُضُوء، ولا يَلزم وليَّه أن يُلزِمه به؛ لأنه غير مكلَّف. والمشهور عند الحنابلة: أنه لا يجوز للصَّغير أن يَمَسَّ القرآن بلا وُضُوء، وعلى وليِّه أن يُلزِمه به كما يلزمه بالوُضُوءِ للصَّلاة، لأنه فعل تُشترط لحِلِّه الطَّهارة، فلا بُدَّ من إلزام وليِّه به.

واستثنوا"اللَّوح"، فيجوز للصَّغير أن يَمَسَّه ما لَمْ تقع يدُه على الحروف.

وظاهِرُ كلام الفُقَهاء رحمهم الله: أنه لا يجوز مَسُّ"السُّبورة"الثَّابتة بلا وُضُوء إذا كُتِبَتْ فيها آية، لكن يجوز أن تَكتبَ القرآن بلا وُضُوء ما لم تمسَّها. وقد يُقال: إن هذا الظَّاهر غير مراد؛ لأنه يُفرَّق بين المصحف أو اللوح وبين السُّبُّورة الثَّابتة، بأنَّ المصحف أو اللوح يُنْقَل ويُحْمَل فيكون تابعًا للقرآن بِخِلاف السُّبورة الثابتة. وأما كُتُب التَّفسير فيجوز مَسُّها؛ لأنها تُعْتَبر تفسيرًا، والآيات التي فيها أقلُّ من التَّفسير الذي فيها. أما إذا تساوى التَّفسير والقُرآن، فإنَّه إذا اجتمع مبيحُ وحاظٌر ولم يتميَّز أحدُهما بِرُجْحَانٍ، فإنه يُغلَّب جانب الحظر فيُعْطى الحُكْمُ للقرآن.

وإن كان التَّفسير أكثر ولو بقليل أُعْطِيَ حُكْمَ التَّفسير.

قوله:"والصَّلاة", أي: تَحْرُمُ الصَّلاة على المحدِثِ، وذلك بالنَّصِّ من الكتاب والسُّنَّة والإجماع. وعلى هذا فالطهَّارة شَرْطٌ لصِحَّةِ الصَّلاة وجَوازِها، فلا يَحِلُّ لأَحَدٍ أن يُصَلِّيَ وهو مُحدِثٌ، سواء كان حَدثًا أصغر أو أكبر. فإن ْصلَّى وهو مُحْدِثٌ، فإنْ كان هذا استهزاءً منه؛ فهو كافر لاستهزائه. وإنْ كان متهاونًا فقد اختلف العلماء رحمهم الله في تكفيره. فمذهب أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ: أنه يَكْفُر, ومَذْهَبُ الأئمة الثَّلاثة: أنَّه لا يَكْفُر. وهذا أقرب. والصَّلاة هي التي بَيَّنَهَا الرَّسولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ تحريمها التَّكبير، وتحليلها التَّسليم، سواء كانت ذاتَ رُكوع وسُجود أم لا. فالفرائض الخَمْسُ صلاة، والجمعة، والعيدان، والاستسقاء، والكسوف، والجنازة صلاة، لأن الجنازة مُفتتحة بالتكبير، مُختتمة بالتَّسليم، فينطبق عليها التَّعريف الشَّرعي، فتكون داخلة في مُسَمَّى الصَّلاة.

وقال بعض العلماء: إنَّ الصَّلاةَ هي التي فيها رُكُوع وسجود. وقال آخرون: إن الصَّلاة هي التي تكون رَكْعَتَيْن فأكثر، إلا الوِتْر فهو صلاة، ولو رَكْعَة. والأوَّل هو الأصحُّ.

وبناءً على هذا التَّعريف ننظر في سجدتَي التِّلاوة والشُّكر هل يكونان صلاة؟ فالمشهور من المَذْهَبِ أنهما صلاة تُفْتَتَحُ بالتكبير، وتُخْتَتَمُ بالتَّسليم، ولهذا يُشرع ُعندهم أن يُكبِّر إذا سجد وإذا رفع، ويُسلِّم. وبِنَاءً على هذا يَحْرُمُ على المحْدِثِ أن يَسْجُدَ للتِّلاوة أو الشُّكْر وهو غير طاهر. فالخِلاف في اشتراط الطَّهارة لهما مبنيٌّ على أنَّ سَجْدَتَي التِّلاوة والشُّكر هل هما صلاة أم لا؟ فإن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت