قُلْنا: إنهما صلاة وَجَبَ لهما الطَّهارة، وإن قلنا: إنهما غير صلاة لم تَجِبْ لهما الطهارة. والمتأمِّلُ للسُّنَّةِ يُدْرِك أنهما ليسا بصلاة. وحينئذ لا يَحْرُم على مَنْ كان مُحْدِثًا أن يَسْجُدَ للتِّلاوة أو الشُّكْرِ وهو على غَير طَهَارة، وهذا اختيار شيخ الإسلام رحمه الله. ولا رَيْبَ أنَّ الأفضل أن يتوضّأ.
قوله:"والطَّواف", أي: يَحْرُمَ على المُحْدِثِ الطَّوافُ بالبيتِ، سواء كان هذا الطَّواف نُسُكًا في حَجٍّ، أو عُمْرَةٍ أو تَطَوُّعًا، كما لو طَافَ في سَائِرِ الأيَّام، وهذا قَول جمهورِ العلماء. وقال بعض العلماء: إنَّ الطَّوافَ لا تُشترطُ له الطَّهارة، ولا يَحْرُمُ على المحْدِثِ أنْ يَطوفَ، وإنَّما الطَّهارة فيه أَكْمَل. ولا شَكَّ أنَّ الأفضل: أن يَطُوفَ بطهارة بالإجماع، ولا أظنُّ أنَّ أحدًا قال: إنَّ الطَّواف بطهارة وبغير طهارة سواء، لأنه من الذِّكْرِ،،ولِفِعْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ.
مسألة: إذا اضطُرَّت الحائض إلى الطَّواف. على القول بأنَّ الطَّهارة من الحيض شَرْط فإنها لا تطوف؛ لأنها لو طافت لم يصحَّ طوافها؛ لأنه شرط للصِّحَّة. وإن قلنا: لا تطوف لِتَحْريمِ المقَام عليها في المسجد الحرام، فإنها إذا اضْطُرَّت جَازَ لها المُكثُ، وإذا جاز المُكث جاز الطَّواف. ولهذا اخْتَلَفَ العلماء ُفي امرأةٍ حاضت ولم تَطُفْ للإفاضَةِ، وكانت في قافِلَةٍ ولن ينتظروها، فهذه القوافل التي لا يمكن أن تنتظر ولا يمكنُ للمرأة أنْ تَرْجِعَ إذا سافرت؛ كما لو كانت في أقصى الهند أو أمريكا، فحينئذ إما أن يُقَال: تكون مُحْصَرة فَتَتَحَلَّل بِدَمٍ، ولا يَتِمُّ حَجُّهَا؛ لأنها لمْ تَطُفْ. وهذا فيه صُعُوبَةٌ لأنها حينئذ لمْ تُؤَدِّ الفريضةَ. أو يقال: تذهب إلى بلدها وهي لمْ تَتَحَلَّل التَّحَلُّلَ الثَّاني، فلا يَحِلُّ لها أن تتزوَّج ولا يحلُّ لمزوَّجةٍ أن يَقْرَبَهَا زوجُها، وإنْ مات عنها أو طَلَّقَهَا لا يحلُّ لها أن تتزوَّج، لأنها ما زالت في إحرام، وهذا فيه مَشَقَّةٌ عظيمة. أو يقال: تَبْقَى في مكَّة وهذا غير ممكن. أو يُقال: تطوف للضَّرورة، وهذا اختيار ُشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ، وهو الصَّواب، لكنْ يجبُ عليها أن تَتَحَفَّظَ حتى لا ينْزل الدَّمُ إلى المسجد فيلوِّثه.