وسَلَّمَ:"إذا شَكَّ أحدكم في صلاته فليطرح الشَّكَّ وليَبْنِ على ما استيقن". ولها فروع كثيرة جدًّا في الطلاق والعقود وغيرهما من أبواب الفقه، فمتى أخذ بها الإنسان انحلَّت عنه إشكالات كثيرة، وزال عنه كثير من الوَساوس والشُّكوك، وهذا من بَرَكَةِ كلام النبي ِّصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ وحكمه.
قوله:"فإن تَيَقَّنَهُمَا وجهل السَّابق", أي: تيقَّن أنه مرَّ عليه طهارةٌ وحَدَثٌ تَيَقَّنَهُمَا جميعًا، ولكن لا يدري أيُّهما الأول، فيُقال له: ما حالُكَ قَبْلَ هذا الوقت الذي تبيَّن لك أنَّكَ أحدثت وتَطَهَّرْتَ فيه؟ فإن قال: محدث، قلنا: أنت الآن متطهِّر. وإن قال: متطهِّر، قلنا: أنت الآن محدث. مثاله: رجل متيقِّنٌ أنَّه على وُضُوء من صلاة الفجر إلى طلوع الشَّمس، وبعد طلوع الشمس بساعة أراد أن يُصلِّي الضُّحَى، فقال: أنا متيقِّن أنَّه من بعد طلوع الشَّمس إلى الآن حصل مِنِّي حَدَث ووُضُوء، ولا أدري أيُّهُمَا السَّابق. نقول: أنت الآن محدث. وإن قال: أنا متيقِّن أني بعد صلاة الفجر نَقَضْتُ الوُضُوءَ، وبعد طلوع الشمس حَصَلَ مِنِّي حَدَثٌ ووُضُوء، نقول: أنت الآن طاهر. وهذا هو المذهب. وقال بعض العُلماء: إنه يجب الوُضُوء مطلقًا. والقول بوجوب الوُضُوء أَحْوَط، لأنه مثلًا بعد طلوع الشمس متيقِّن أنه أَحْدَثَ وتَوَضَّأ، ولا يدري الأسبق منهما، وفيه احتمال أنه توضَّأ تجديدًا ثم أحدث، فصار يجب عليه الوُضُوء الآن، وإذا كان هذا الاحتمال واردًا فلا يخرج من الشَّكِّ إلا بالوُضُوءِ. وهذا الوُضُوء إنْ كان هو الواجب فقد قام به، وإلا فهو سُنَّةٌ. والفقهاء رحمهم الله قالوا: إذا قَوِيَ الشَّكُّ فإنه يُسَنُّ الوُضُوء؛ لأجل أن يُؤَدِّي الطَّهَارة بيقين.
قوله:"ويحرم على المحدِث مسُّ المصحف", المصْحَفُ: ما كُتِبَ فيه القرآن سواء كان كاملًا، أم غير كامل، حتى ولو آية واحدة كُتِبَتْ في ورقة ولم يكن معها غيرها؛ فحكمها حكم المصحف. وكذا اللَّوح له حكم المصحف؛ إلا أن الفقهاء استثنوا بعض الحالات. وقوله:"المحدِث"أي: حدثًا أصغر أو أكبر, (وتحريم مس المصحف على المحدث) هو قول جمهور العلماء ومنهم الأئمة الأربعة. وقال داود الظَّاهري وبعض أهل العلم: لا يحرم على المُحْدِثِ أن يَمَسَّ المصحف. وكنت في هذه المسألة أميل إلى قول الظَّاهِريَّة. (و) الذي تَقَرَّرَ عندي أخيرًا: أنَّه لا يجوز مَسُّ المصْحَفِ إلا بِوُضُوء.
مسألة: هل المحرَّمُ مَسُّ القرآنِ، أو مَسُّ المصحفِ الذي فيه القرآن؟ فيه وَجْهٌ للشَّافعية: أن المحرَّم مسُّ نَفْس الحروفِ دونَ الهوامِش، لأنَّ الهوامِش وَرَقٌ، وقال الحنابلة: يَحْرُمُ مَسُّ القرآن وما كُتِبَ فيه؛ إلا أنَّه يجوز للصَّغير أن يَمَسَّ لوحًا فيه قُرآن بِشَرْطِ ألاّ تقع يَدُهُ على الحروف. وهذا هو الأحوط؛ لأنه يَثْبُتُ تبعًا ما لا يَثْبُتُ استقلالًا.