ولهذا من نظر إلى أحوال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجد أنهم قد وضعوا زمامهم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يسألون عن كثير من العلل والحكم؛ وذلك أنهم قد قطعوا بإيمان رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجوه متعددة: من هذه الوجوه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دل الدليل من جهة الحس على صدق إخباره في بعض المواضع، فلما دل على بعض المواضع وجب الإيمان بالمتبقي مما خفيت فيه العلة. كذلك بموافقة الفطرة بأمثال هذه الأمور، فإنه ما من أمر قد أمر الله جل وعلا به عباده إلا وهذا الأمر فيه مصلحة للإنسان في حاله, وكذلك في آجل أمره، ولا يمكن أن الله جل وعلا يأمر عباده بأمر ثم يكون فيه مفسدة عليهم في دينهم أو في دنياهم، كذلك لا يمكن أن ينهى الله جل وعلا عباده عن فعل من الأفعال إلا وفي فعل ذلك المنهي عنه ضرر للإنسان في حاله أو في آجله، أو قد يكون الضرر متعديًا، فيكون حينئذ من جملة الأمور المحرمة المغلظة التي يشدد الله جل وعلا فيها، فالشريعة تشدد في الأمور المحرمة المتعدية ما لم تشدد في الأمور اللازمة التي لا تتعدى إلى الغير، ويستثنى من ذلك ما يتعلق بأبواب الشرك فإن الله جل وعلا عظمها؛ لأنها تتعلق بحق الله سبحانه وتعالى المحض، وحق الله جل وعلا المحض في هذا الباب مبني على المشاحة، ولا يمكن أن يعفو الله جل وعلا عن عبد قد أشرك معه شيئًا، لهذا يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] .