وكذلك أيضًا فإن التغافل عن كثير مما يرد إلى العالم يحليه بالصبر، فإن الإنسان إذا اعتاد أن يخرج كل ما يصل إليه من دقائق أخبار الناس وأذيتهم له، وأحوالهم وما يخوضون في مجالسهم لم يكن من أهل التحلي بالصبر، بل ينبغي على الإنسان أن يتجلد بالصبر، وأن يذكر ما يسليه، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يذكر من يسليه كموسى عليه السلام، فينبغي لمن دونه أن يتذكر ما حصل لمن هم أعلى منه من الأنبياء والصديقين وغيرهم في سبيل الله جل وعلا، فيتحلوا بهم في هذا الأمر، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحلى بالتغافل، وعدم إثارة ما يبلغه من أحوال الناس، وإنما يبلغه الخاصة إليه من أصحابه، وهذا فيه إشارة إلى أنه ينبغي للعالم أن يتخذ بطانة، وألا يتخذ من البطانة إلا أصحاب السر الخلص، وأن أصحاب السر يقدمون بالإسرار إليهم على أهل العلم والصدق من أهل البطانة والمعرفة، لهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يخص حذيفة بن اليمان، وهناك من هم أعلى منه في مقام الصديقية والصحبة كأبي بكر و عمر و عثمان و علي وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعرفته بمقام السر الذي يريد النبي عليه الصلاة والسلام حفظه.