لهذا ينبغي للعالم أن يعرف مراتب شهوده في مقام السر، ومقام العلم، ومقام الدراية بأحوال الناس، وكذلك معرفة مراتبهم، والصبر والتجلد في ذلك وأن ينزل كل واحد منزلته، فكل واحد منهم يخصه بحديث، ولهذا كان العالم يتغافل، ويبدي شيئًا ويكتم شيئًا، ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام كانت سياسته التغافل حتى مع أقرب الناس إليه، وهم أزواجه كما في قوله جل وعلا: عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ [التحريم:3] ، يعني: عرف شيئًا وأعرض عن بعض، وهذا نوع من أنواع التغافل، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ [البقرة:267] ، قال غير واحد من العلماء: أن تغمضوا أبصاركم عن ذلك الذي قدم إليكم تغافلًا وعدم تدقيق فيه، ولهذا يقال: إن الصحيح إذا رمدت عيناه فإنه يغمضهما حتى لا يسري الرمد في عينيه فيؤذيها، فإن من الحكمة أن يغمض عينيه، وإغماض العينين لمن أصابه الرمد خير من الإبصار، وهذا نوع من التغافل في صحة البدن، كذلك فإن التغافل في صحة القلب والجسد والدين من الأمور المحمودة التي ينبغي للإنسان أن يصونها، وأن يتعامل فيها بقدر الأمور التي يضعها العالم في نصابها.