إن العالم هو الذي ينظر إلى كثير من المسائل والنوازل بنظر الله سبحانه وتعالى، وينظر إلى المسائل بوجهين: الوجه الأول: بإعمال النص. الوجه الآخر: بتقدير المسألة النازلة بحسب ما يتردد عليها من مصلحة ومفسدة ثم يقيم في ذلك الموازنة. إن الأصل في الشريعة هو إعمال النصوص، والأصل في ذلك أن المصلحة تدور مع النص وجودًا وعدمًا، وهذا هو الأصل الغالب، ولكنه ليس مطردًا على الإطلاق، والأصل كذلك في المفاسد أن المفسدة تكون في مخالفة الدليل الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكنه في بعض الأحيان قد تكون المفسدة في إعمال الدليل لمخالفة النازلة لذات الدليل وموافقته لمصلحة عظمى قررها الشارع، لهذا وجب على العالم أن ينظر إلى مراتب الأدلة، فمراتب الأدلة أعظمها ما قرره الشارع من المصالح العظمى من حفظ الضروريات الخمس، والمصالح الدنيا هي النظر إلى الأدلة المجردة، وكذلك يعرف العالم ذلك بحسب معرفة مراتب الناس وأحوالهم، لهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل النص وعرف كذلك مراتب المخاطبين، فإن العالم الذي يحمل النص ولكنه يكون من أهل الجهل بمراتب الناس المخاطبين، والجهل كذلك بالمفاسد التي تئول عند تنزيل بعض النصوص فلا شك أن هذا نوع من القصور، بل نوع من الجناية، لهذا الأصل كما تقدم هو إعمال النص على الأغلب، والأصل أن المصلحة تدور مع الدليل وجودًا وعدمًا، لكنه في بعض الأحيان يجب على العالم أن يقصر في إعمال الدليل في بعض النوازل، سواءً كان ذلك في الأدلة من الأحكام أو كان ذلك فيما دونها من مراتب الأوامر والنواهي سواء كان ذلك من أبواب الاستحباب، أو كان من أمور المنهيات مما يتعلق بمسائل التنزيل.