كذلك أيضًا ينبغي للعالم أن يتحلى بالتغافل، والتغافل شيء والغفلة شيء آخر، أهل العقل والحكمة والدراية والمعرفة هم أهل التغافل، وأما أهل السذاجة والجهل هم أهل الغفلة، وبينهما كما بين المشرق والمغرب، العالم يعلم ما يدور، ويعلم ما يخوض به الناس، ولكنه لا يتكلم إلا فيما ينفع، أما الجاهل وعامة الناس فيتكلمون فيما ينفع وما لا ينفع، ولهذا يقول أهل المعرفة: لا يتغافل إلا الأحرار، وقد روى أبو بكر بن أبي الدنيا ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان من حديث عثمان بن زائدة قال: ذكرت عند الإمام أحمد عليه رحمة الله التغافل، فقلت: إن العافية عشرة أجزاء، تسعة منها في التغافل، فقال الإمام أحمد: العافية عشرة أجزاء، عشرتها في التغافل، يعني: أن الرجل والعالم ينبغي أن يتغافل عما يصل إليه، وليس هذا نوعًا من السذاجة، بل نوع من تقدير مقام الرجل، ألا يخوض في دقائق الأمور وتفصيلاتها، وألا يخوض في جزئيات الأمور التي تصل إليه، فإن هذا يسقط مهابة العالم، فالعالم لا يتكلم إلا فيما ينفع.