قال شيخ الإسلام رحمه الله: ما علمت أحدًا رخص فيه لأن ذلك نوعٌ من اتخاذه عيدًا. ويدل أيضًا على أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي منهي عنه، لأن ذلك من اتخاذه عيدًا، وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان المسجد أن يأتي قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، كره مالك ذلك لأنه لم يكن لم يفعله السلف، لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك، كلما صلى ذهب وسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ نقول: لا، صلاتك وسلامك عليه في الصلاة أفضل من صلاتك وسلامك عليه عند القبر، هذا أفضل، ولذلك السلف اكتفوا بذلك، قال مالك: ولن يُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، بل كان الصحابة والتابعون يأتون إلى مسجده - صلى الله عليه وسلم - فيصلون خلف أبا بكر وعمر وعثمان وعليٍّ رضي الله عنهم، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر للسلام، لعلمهم بأن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل، ولم يكن من شأنهم، وإذا كان كذلك يكون إجماعًا، وكانت الحجرة في زمانهم يؤتى إليها من الباب إذ كانت عائشة فيها، وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه لا لسلام ولا لصلاة ولا لدعاءٍ لأنفسهم ولا لغيرهم، فما كان يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره بنهيهم لقوله عليه الصلاة والسلام: ( «لا تتخذوا قبري عيدًا» ) . وغير ذلك من المحفوظ عنه عليه الصلاة والسلام، وإنما يأتي أحدهم من خارج إذا قدم من سفر كما كان ابن عمر يفعله فيقول: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. ثم ينصرف ولا يقف للدعاء، وقال بعضهم: أنه لم يحفظ إلا عن ابن عمر فقط في هذا، لكن إن فعل جاء من سفر فله أصله.
قال شيخ الإسلام: إن ذلك لم يُنقل عن أحدٍ من الصحابة فكان بدعةً محضة.
قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن يُسلم ويمضي. هذا المتفق عليه، وهل يدعو؟ قلنا: السلام فقط وهذا الأصل فيه، وقد اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وإنما يستقبل،
أولًا نقول له: لا تدعو، لكن لو دعا حينئذٍ هل يستقبل القبر أو يستقبل القبلة؟ باتفاق إجماع أنه يستقبل القبلة ولا يستقبل القبر، [ونص أحمد] ، إذًا اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، ونص أحمد أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره وذلك بعد تحيته والسلام عليه، إذًا لم يرد الدعاء أصلًا، لكن إن وقع ولم يكن معتقدًا أن المكان له مَزّيةٌ من حيث الدعاء فحينئذٍ تأتي هذه المسألة وإلا الأصل المنع.