وفي الحديث كسابقه دليل على منع شد الرحال إلى قبره - صلى الله عليه وسلم - وإلى غيره من القبور والمشاهد لأن ذلك من اتخاذها أعيادًا، بل من أعظم أسباب الإشراك بها كما هو الواقع، واتفق الأئمة على المنع من ذلك، أي المسألة خلافية عند المتأخرين، ومثل هذه المسائل لا ينبغي لطالب العلم إن كان عنده شيءٌ من الفقه أن يحكي فيها خلافًا، لا ينبغي أن يحكي فيها خلافًا، يقول: شد الرحال فيه قولان، نقول: لا، ليس به قولان، ليس به إلا قول واحد، وإلا لقلت: الاستواء فيه قولان، والمعية فيها عشرة أقوال، والعلو ثلاثة أقوال، يلزمك هذا، وإنما العبرة بما اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فما تركوه وأطبقوا على تركه فهو إجماع، كل قولٍ بعده يُضرب به عُرض الحائط، كائنًا من كان قاله، وخاصةً في هذه المسائل العظام.
واتفق الأئمة على المنع من ذلك لما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» . فدخل في النهي شدها لزيارة القبور والمشاهد بل هي أولى بالنهي، وقد فهم السلف العموم من النص كما في الموطأ والسنن عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور - ما علم بالنص رضي الله تعالى عنه - قال له: لو أدركْتُكَ قبل أن تخرج إليه لما خرجت، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تعمل الْمَطِيُّ إلا ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى» . وصحح إسناده الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، إذًا استدل به، أو استدل على بطلان شد الرحال إلى الطور بالحديث الوارد في المساجد، إذًا لا تُشد الرحال إلى أي موضع يتقرب أو يعتقد فيه، إلا إلى واحد من هذه المساجد الثلاث.
وروى أحمد بإسناد جيد عن قزعة قال: أتيت ابن عمر فقلت: إني أريد الطور. فقال: إنما تشد الرحال - قاله ابن عمر - إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى فدع عنك الطور فلا تأته. وإسناد صحيح، ورواه أحمد وكذلك عن أبي سعيد وذُكر عنده الصلاة في الطور فذكر الحديث، فأبو سعيدٍ كغيره جعل الطور مما نُهِيَ عن شد الرحال إليه مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن شدِّها إلى المساجد، فدل على أنهم علموا أن غير المساجد أولى بالنهي، والطور لماذا يسافرون إلى الطور؟ وإنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة، وأن الله تعالى سماه الوادي المقدس والبقعة المباركة، وكلَّم الله موسى هناك، حينئذٍ اعتقدوا فيه، فله مكانة، لكن لا يُشْرَعُ الذهاب إليه.
وقوله في الحديث: ( «وصلوا عليّ فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم» ) . إن كان النص هكذا محفوظًا ( «وصلوا عليّ فإن تسليمكم» ) الأصل فإن صلاتكم، وهذا وجه، ولكن إن كان اللفظ هكذا محفوظًا حينئذٍ يكون من باب الطي والنشر، والمعنى صلوا عليّ وسلموا، فإن تسليمكم وصلاتكم تبلغني حذف من الأول وحذف من الثاني، فكأنه ذكر الفعلين والعلتين لكن حذف من الأولى ما دلت عليه من الثانية، ومن الثانية ما دلت عليه الأولى (رواه في المختارة) .