فهرس الكتاب

الصفحة 992 من 2014

قال شيخ الإسلام: (ولا تجعلوا قبري عيدًا) العيد اسم لِمَا يَعُود من الاجتماع العام على وجه معتادٍ عائدًا إما بعَوْدِ السنة أو بعَوْدِ الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك. ومرّ هذا المعنى. العيد مأخوذ لشيء يعود، إما باعتبارِ المكان، وإما باعتبار الزمان، سواء كان الاعتياد بسنةٍ من سنةٍ إلى سنة أو من شهرٍ إلى شهرٍ أو من أسبوعٍ إلى أسبوع. ولذلك الجمعة عيد من أعياد المسلمين وهي من أسبوعٍ إلى أسبوع.

قال ابن القيم: العيد ما يُعْتَاد مجيئه وقصده من زمانٍ أو مكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإن كان اسمًا للمكان فهو المكان الذي يُقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة أو لغيرها، كما أن المسجد الحرام ومِنَى ومُزْدَلِفَة وعَرَفَةَ والْمَشَاعِر جعلها الله عيدًا للحنفاء ومثابة، كما جعل أيام التعبد فيها أعيادًا.

إذًا عيد زمانيّ وعيدٌ مكانيّ، وكان للمشركين أعيادٌ زمانية فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعَوَّض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر وأيام منى، كما عرضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر.

إذًا الأعياد قد تكون زمانية وقد تكون مكانية إذا تبين ذلك فمعنى الحديث نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن زيارة قبره على وجهٍ مخصوص واجتماعٍ معهودٍ. إذًا لا يُخَصُّ قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأي خِصِّيصة سواء كانت مكانية أو زمانية، لا يجعل له وقتًا في السنة كذا أزور القبر، أو بعد الفجر، أو نجتمع أنا وفلان .. إلى آخره، حينئذٍ نقول: هذا التخصيص يجعل ماذا؟ يجعله عيدًا، وذلك هو معنى العيد كما مر معنا.

إذًا معنى الحديث نهيه - صلى الله عليه وسلم -، والنهي - للتحريم هنا - عن زيارة قبره على وجهٍ مخصوص واجتماعٍ معهود، كالعيد الذي يكون على وجهٍ مخصوص في زمانٍ مخصوص، وذلك يدلّ على المنع في جميع القبور وغيرها، لأن قبره - صلى الله عليه وسلم - أفضل قبرٍ على وجه الأرض، لكن لا يلزم منه شيء، هذا من جهة الاعتقاد فقط، وأما يترتب عليه شيءٌ آخر لا، وقد نهى عن اتخاذه عيدًا فقبر غيره أولى بالنهي كائنًا من كان، ولو كان أبا بكرٍ وعمر رضي الله تعالى عنهما. وفيه النهي عن الإكثار من الزيارة، أي لا تترددوا على قبري وتعتادوا ذلك سواءٌ قَيَّدُوه بالسنة أو بالشهر أو بالأسبوع.

الجملة الثالثة قوله: ( «وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» ) صلُّوا أي قولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ. وهذا أمرٌ كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56] وصلاة الله على عبده ثناؤه عليه في الملأ الأعلى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت