قوله - صلى الله عليه وسلم: ( «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» ) . ( «لا» ) ناهيةٌ، ( «تجعلوا» ) فعل مضارع مجزوم بـ لا، وجزمه حذف النون، لماذا؟ لأنه من الأمثلة الخمسة، ( «لا تجعلوا» ) والفاعل الواو، الخطاب لمن؟ لأمته للصحابة ومن تلاهم، و ( «بيوتكم» ) مفعول أول، و ( «قبورًا» ) مفعول ثانٍ، لا تُصَيِّرُوا بيوتكم قبورًا، جَعَل بمعنى تَصِير، و ( «بيوتكم» ) مفعول أول، و ( «قبورًا» ) مفعول ثانٍ، والبيوت جمع بيت، وأصل البيت مأوى الإنسان بالليل هذا الأصل فيه، مأوى الإنسان بالليل، لأنه يقال بَاتَ، أقام بالليل، كما يقال: ظلَّ بالنهار، ثم يقال يعني: حُمِلَ ونُقِلَ، ثم يقال: للمسكن بيتٌ من غير اعتبار الليل فيه، الحمد لله، يقال ماذا؟ للمسكن بيت من غير اعتبار الليل فيه، وجمعه أبيات وبيوت، لكن البيوت للمسكن أخص، والأبيات للشعر أخص، قاله في (( المفردات ) ). قال تعالى: {فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا} [النمل: 52] . البيوت المراد بها المساكن، وقال: {وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً} [يونس: 87] ، {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} [النور: 27] . إذًا المراد بالبيوت هنا ماذا؟ المساكن مطلقًا، مأوى الإنسان مطلقًا دون اعتبار الليل ولا النهار، ويقع ذلك، يعني اسم البيت على المتخذ من حجرٍ ومدرٍ وصوفٍ ووبرٍ، ( «قبورًا» ) قلنا: هذا المفعول الثاني جمع قبرٍ، ومر معناه قريبًا، ( «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» ) أي لا تعطلوها من الصلاة فيها، والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، لأنه كما مر معنا أن المقابر من حيث العبادة التي لا تختص بها مهجورة، هذا الأصل فيها هذا الواجب، حينئذٍ لا تعطلوا بيوتكم التي هي مأوى لكم فتُصَيِّرُوها كالمقابر، يعني لا تصلوا فيها ولا تقرؤوا ولا تتعبدون الله تعالى فيها، فإن خلت البيوت عن تلك العبادات أشبهت المقابر هذا المراد هنا، هنا التمثيل ( «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» ) أي لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون حينئذٍ بمنزلة القبور، إذ هذا شأن المقابر والقبور، فأمر بتحري العبادة في القبور، ونهى عن تحريها عن القبور، ومر معنا في الباب السابق عكس ما يفعله المشركون من النصارى ومن تشبه بهم، يعني: يهجرون بيوتهم ويعمرون مقابرهم. ففي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله تعالى عنها مرفوعًا: «اجْعَلُوا مِنْ صَلاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» . هذا يدل على ماذا؟ على أن ظاهر اللفظ خلاف ما ذهب إليه بعضهم لا بيوتكم قبورًا يعني: لا تدفنوا فيها، هذا محتمل لا شك أنه داخلٌ فيه لكن ليس هو ظاهر اللفظ، لأنه قال: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ» . حينئذٍ العبرة هنا في ماذا؟ في تشبيه البيوت في المقابر في خلوها من العبادة، والذي يخلو من العبادة هو المقابر وليس هو البيوت فإن عَطَّلْتُم هذه البيوت جعلتموها كالمقابر، وذلك قال: «اجْعَلُوا مِنْ صَلاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» . إذًا ليس المراد أن لا تدفنون فيها، هذا بعيد ما حدث هذا الأصل فيه، وإن وُجِدَ فهو خلاف الأصل، هو لا يجوز الأصل فيه، حينئذٍ نقول: ظاهر اللفظ هو هذا.