وتفيد الآية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لغير المؤمنين ليس رؤوفًا رحيمًا، أليس كذلك؟ لأنه قال: ( {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} ) قدم الجار والمجرور، أفاد ماذا؟ حصر، إثبات الرأفة والرحمة في المذكورين ونفيه عن ما عداه، ما ضد الرأفة والرحمة؟ الشدة والغلظة، إذًا غير المؤمنين فالنبي - صلى الله عليه وسلم - شديد غليظ عليه، هذا الذي يدل عليه هذا النص، فهو شديد عليهم كما وصفه الله تعالى وأصحابه بقوله: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] . وليس العكس {أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} هذا الذي جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، هذه أربع أوصاف ذكرها الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم:
-أنه رسول.
-أنه من أنفسكم.
-عزيز عليه ما يشق علينا.
-بالمؤمنين رؤوف رحيم.
أربعة أوصاف، وأكد هذه الجملة بثلاث مؤكدات، ما هي؟
القسم، واللام، وقد. [أحسنت] .
و ( {لَقَدْ جَاءكُمْ} ) اللام، وقد وهي من المؤكدات، والقسم المقدر، فهي مؤكدة لجميع مدخولها، يعني الأربعة أوصاف مؤكدة، مؤكدة بما ذُكِر، لأنها مترابطة بعضها مع بعض، ( {رَسُولٌ} ) قلنا: ( {عَزِيزٌ} ) نعت له، ( {مَا عَنِتُّمْ} ) معمول له، إذًا الجملة واحدة، فالمؤكد مؤكد لأربعة الأوصاف معًا.
مناسبة الآية للباب: أن هذه الأوصاف المذكورة في حقّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تقتضي أنه أنذر أمته، وحذرهم عن الشرك الذي هو أعظم الذنوب، ولا ريب أن الإنذار عنه زُبْدة رسالته - صلى الله عليه وسلم -، فبَيَّن لأمته ذرائعه الموصلة إليه، وأبلغ في نهيهم عنها، ومن ذلك تعظيم القبور والغلو فيها والصلاة عندها وإليها، ونحو ذلك مما يُوصل إلى عبادتها، وظهر بذلك وجه إيراد المصنف لهذه الآية هنا في هذا الموضع إن كان ثَمَّ إشكال لكن هذا الذي يظهر.
وفي الآية التنبيه على هذه النعمة العظيمة، وهي إرسال الرسول فينا، وهذه نعمة عظيمة، وكونه منّا من العرب نعمة أخرى عظيمة، وكونه بهذه الصفات نِعَمٌ متعدِّدة، ومنها مدح نسبه - صلى الله عليه وسلم - فهو أشرف العرب بيتًا ونسبًا. قال جعفر بن محمد في قوله: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} . قال: لم يصبه شيئًا من ولادة الجاهلية. يعني نكاح سفاح ونحوه. ورُوِيَ عنه أنه قال: «إني خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح» . ومن الآية رأفته بالمؤمنين وغلظته على الكفار والمنافقين.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» . رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات) . قوله: (عن أبي هريرة رضي الله عنه) . مرّ ترجمته معنا، (قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -) هذا الحديث فيه ثلاث جمل:
( «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا» ) هذا نهي.
( «ولا تجعلوا قبري عيدًا» ) هذا نهي.
( «وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» ) نهيان وأمر.