ثم يقال أيضًا: أن المسجد، وهذا أهم من ما ذكره القرطبي وغيره. أن المسجد في الأصل لم يُبْنَ على قبرٍ. قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يقال بأنه داخل المسجد، نقول: لم يبنَ المسجد، مسجد من؟ من الذي بناه؟ النبي - صلى الله عليه وسلم -، فابتداءً وأصالةً لم يُبْنَ على قبره، هو الذي بنى كيف يكون بنى على قبره؟ حينئذٍ نقول: لا يتأتى ذلك، فالمسجد لم يُبْنَ على القبر بل بُنِيَ في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثُمَّ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لَمْ يُدفن في المسجد، بل دفن في بيته وهذا محل وفاق بين الصحابة لأنه في أول الزمن، وإدخال الغرفة غرفة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي دُفِنَ فيها هذا ليس متفقًا عليه بين الصحابة، وإنما كان في آخر الزمن زمن الصحابة، ولذلك حصل فيه خلافٌ، وقد أنكر ذلك سعيد بن المسيّب قد كان في سنة أربعٍ وتسعين تقريبًا فليس هذا الأمر من ما أجازه الصحابة أو أجمعوا عليه حتى يحتجوا به، قد يقال بأنه إدخال أو فيه مخالفة شرعية لكنه لا يأخذ حكم المسجد الذي بُنِيَ على قبرٍ، فرق بين .. نقطع بهذا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدفن في المسجد وهذا بإجماع الصحابة وهو حجة في ذلك، المسجد لم يبن على قبرٍ بل هو مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - إذًا انتفى المحذوران هذا مقطوع به، ثم هل يجوز إدخاله أو لا؟ نقول: هذا لم يقع في زمن الصحابة، إفراده هو الأصل.
إذًا نقول: إدخال الغرفة ليس متفقًا عليه بين الصحابة بل حصل بعد أن انقرض أكثرهم ولم يبق منهم إلا القليل وذلك عام أربعٍ وتسعين تقريبًا فليس مما أجازه الصحابة أو أجمعوا عليه. ومما خالف في ذلك سعيد بن المسيب من التابعين رحمه الله تعالى. إذًا لا يحتج بأن قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في داخل المسجد.
مناسبة الحديث للباب: أن فيه منع من عبادة الله عند قبور الأنبياء واتخاذها مساجد، لأنه يفضي إلى الشرك، والأنبياء أفضل من الصالحين، فإذا منع من الأنبياء فالصالحون من بابٍ أولى وأحرى. وجاء النص كذلك «اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» . فحينئذٍ شمله النص نصًا لا قياسًا.
يستفاد من الحديث:
أولًا: المنع من اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يُصلَّى فيها لله لأن ذلك وسيلةً إلى الشرك.
ثانيًا: شدة اهتمام الرسول - صلى الله عليه وسلم - واعتنائه بالتوحيد وخوفه أن يعظم قبره لأن ذلك يُفضي إلى الشرك.
ثالثًا: جواز لعن اليهود والنصارى ومن فعل مثل فعلهم من البناء على القبور واتخاذها مساجد بنوا أو لم يبنوا.
رابعًا: بيان الحكمة من دفن النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيته، وأن ذلك لمنع الافتتان به. وقلنا هنا: الحكم له سببان.
خامسًا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بشرٌ يجري عليه ما يجري على البشر من الموت وشدة النزع.