ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولمسلم عن جُنْدُب بن عبد الله قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا، لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك» ) . قوله: (عن جندب بن عبد الله) أي ابن سفيان البجلي أبو عبد الله وينسب إلى جده صحابي مشهور، مات بعد الستين رضي الله تعالى عنه
(قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يموت بخمسٍ) أي خمس ليال، والعرب تطلق الليال على الأيام والليالي، أيام يعني: النهار والليل، وقيل: خمس سنين، لكن هذا ضعيف، المراد به الأول، والأول أظهر من كونه لعن أيضًا وهو في سياق الموت من فعل، فدل على أنه خمس ليال قبل وفاته - صلى الله عليه وسلم -. قوله: ( «إني أبرأ إلى الله» ) . أصل البُرْءِ والبراء والتَّبَرِّي التقصي مما يكره مجاورته. يعني التخلي والسلامة والتخلص كلها بمعنًى واحد، كذلك المنع يُطلق ويراد به البراءة. إذًا المراد بالبرء والبراء والتَّبَرَّي التقصي مما يكره مجاورته، ولذلك قيل برأَتُ من المرض تخلصت. وبَرَأْتُ من فلانٍ وتَبَرَّأْتُ وأَبْرَأْتُهُ كلٌّ بمعنى التخلص والسلامة من كذا، بمعنى التخلي والتخلص والسلامة. ( «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليلٌ» ) أي أمتنع من هذا وأنكره وأتخلى أن يكون لي منكم خليلٌ، والخليل فَعِيل من الْخُلَّة وهو المحبوب غاية المحبة، مشتقٌ من الْخُلّةَ بضم الخاء، وهي [المودة] أخص من المودة، المودة أعم، إما لأنها تتخلل النفس أي تتوسطها، وإما لأنها تُخِلُّ النفس فتُؤثر فيه تأثير السهم في الرمية، وإما لفرط الحاجة إليه. هذا هو المشهور أنه مأخوذٌ من الْخُلَّة بضم الخاء وهي المحبة المودة، وقيل: مشتقٌ من الْخَلَّة فتح الخاء خَلة وهي الْحَاجة والفقر، وعليه أراد إني أَبْرَأُ من الاعتماد والافتقار إلى أحد غير الله تعالى، وهذا حاصل متحقق لكن ليس هو المراد من النص والله أعلم، إنما المراد به ماذا؟ ما هو أخص من جهة المحبة، فنَفَى أن تكون حاجته وانقطاعه إلى غير الله عز وجل وهذا ينفيه ماذا؟ «لو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر» نقول: هذا ينفي أن يكون مشتقًا من الْخَلّة بمعنى ماذا؟ الافتقار والحاجة، بل هو من الْخُلّة المراد بها أعلى درجات المحبة. في (( التيسير ) )رجح أنها غاية المحبة لكنه قال من الْخَلّة، دخل عليه الأمران، خَلّة الحاجة والافتقار، خُلة هي أعلى درجات المحبة، إذًا هذا المعنى الصحيح لكن ليس هو المراد من النص والله أعلم، وعلى الأول الخليل المنقطع إليه المحبوب غاية الحب مُشتق من الْخُلَّةِ وهي تَخُلّل المودة في القلب كما قال الشاعر:
قد تَخَلَّلْتِ مسلك الروح مني ... وبذا سُمِّيَ الْخَلِيلُ خليلا
مسلك الروح يعني: حبها تخلل الجسد كله، ما من عرق إلا ودخله والله المستعان.
والْخُلة فوقَ المحبة، فإن المحبة عامة والْخُلة خاصة وهي نهاية المحبة.