قال القرطبي رحمه الله تعالى: وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة الأصنام. يعني ما عبدت الأصنام كما مر معنا ود وسواع .. إلى آخره إلا بسبب ماذا؟ التعظيم لهذه القبور والغلو في أصحابها، ثم آل بهم الأمر إلى عبادتهم بذواتهم، والسبب هو الغلو في الأنبياء وذلك أعظم وسائل الشرك بالله تعالى، وسبب اللعن أنه يريد أن يحذر الصحابة من ذلك، (ولولا ذلك) تقول عائشة: (لولا ذلك) . أي لولا تحذير النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فعلوا ولعنوا من فعل ذلك، وقد قبل الصحابة تحذير ... النبي - صلى الله عليه وسلم - وعملوا بوصيته عليه الصلاة والسلام، (لولا ذاك لأبرز قبره) ، يعني أظهر البروز هنا المراد به الظهور والإظهار، (لأبرز قبره) وفي لفظٍ: (لأبرزوا قبره) . يعني الصحابة (لأُبْرِزَ قبره) ، لأَبْرَزُوا قبره. أي لدفن خارج بيته، يعني هذا المراد، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - دُفِنَ في بيته عليه الصلاة والسلام. إذًا ما عدا ذلك هو إخراجه عن بيته لولا ذاك يعني: من خشيته - صلى الله عليه وسلم - أن يُعَظّم قبره لأُبْرِزَ قبره يعني دفن خارج بيته، إما في البقيع مع الصحابة أو غير ذلك، لدفن خارج بيته أو مع قبور الصحابة الذي كانت قبورهم في البقيع، وذلك لأن البروز الظهور، لكنه دفن في بيته - صلى الله عليه وسلم - وهذا أصون له وأبعد عن اتخاذه مسجدًا، فلهذا لم يبرز قبره، وهذا أحد الأسباب، يعني ليس منحصرًا في هذا، لأنه جاء نصٌ يدل على ماذا؟ حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: ( «إن الأنبياء يقبرون حيث يقبضون» ) هذا سببٌ آخر، ولا مانع أن يكون الحكم الواحد له سببان أو علتان وهذا لا إشكال فيه، حينئذٍ لولا ذاك لأبرز قبره، هذا أحد العلتين أو جزء العلة، عَبَّرَ بأنها علة مركبة. علةٌ أخرى وهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات في بيته، والسُّنَّة هنا سنّة الأنبياء أنه ماذا؟ يُدفن حيث قُبض، فحينئذٍ يُدفن في بيته، وهذا أحد الأسباب التي أوجبت أن لا يُبرز مكان قبره، من أسباب ذلك إخباره - صلى الله عليه وسلم - أنه ما قُبض نبيٌ إلا دُفن حيث قُبض كما ذكرنا، ولا مانع أن يكون للحكم واحد سببان فأكثر، وجاء الشرع بذلك وهو ما أكثر الأمثلة على ذلك، غير أنه خُشِيَ خَشِيَ أن يُتخذ مسجدًا، خَشِيَ رُوِيَ بفتح الخاء وضمها، خَشِي مبني للمعلوم، خُشِي مبني لِمَا لَمْ يُسَمَّ فاعله.