وخص قبور الأنبياء - إن قلنا: بأن الرواية الثانية لم ينتبه إليها - وهي ثابتة في صحيح مسلم، قال: «قبور أنبيائهم وصالحيهم» . لكن في هذه الرواية خص الأنبياء لأن عكوف الناس على قبورهم أعظم واتخاذها مساجد أشد، ولم يكن هذا اللعن في سياق الموت لهاتين الطائفتين اليهود والنصارى إلا على سبيل التحذير الشديد لئلا تقع أمته في شيء من فعلهم عند قبره، يعني ليس المراد أن يخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا فيما سبق أن الظاهر ماذا؟ أن قوله: ( «لعنة الله على اليهود والنصارى» ) . أنه خبر، إذًا ليس بدعاء، إذًا أخبرنا لماذا؟ وذكر العلة علة اللعن لماذا؟ لنحذر ما صنعوا، لأن الحكم معلل، أليس كذلك؟ لعنة لاتخاذهم، إذًا هذا الحكم الاتخاذ وحقَّة اللعنة عليهم هل هو خاص باليهود والنصارى؟ الجواب: لا، فالحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا. قال هنا: ولم يكن هذا اللعن في سياق الموت لهاتين الطائفتين إلا على سبيل التحذير الشديد لئلا تقع أمته في شيء من فعلهم عند قبره عليه الصلاة والسلام، فلعنهم على تحري الصلاة عندها وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله نص عام، ولذلك صار ماذا؟ متى يكون وسيلةً للوقوع في الشرك؟ إذا صلى لله، أما إذا صلى لا لله وصلى لصاحب القبر ليست بوسيلة، وإنما هو عين الشرك، فلعن النبي - صلى الله عليه وسلم - لئلا تقتدي هذه الأمة بالأمتين أو طائفتين فحينئذٍ نقول: وقعوا فيما وقعوا فيه بأنهم اتخذوا أولًا قبور الأنبياء مساجد وهذا ذريعة كبيرة من الكبائر ليس بذاته شركٌ أكبر، إنما هو وسيلةٌ إلى الشرك، فهو مفضٍ إلى الشرك. قال هنا: فلعنهم على تحري الصلاة عندها وإن كان المصلي لا يصلي إلا لله، وأما إذا صَلَّى لغير الله فهو مشركٌ شركًا أكبر، لأنه ذريعةٌ إلى عبادتها فيكف إذا عبدها؟ فمن بابٍ أولى وأحرى.
إذا كان هذا السياق وهذا اللعن لأجل اتخاذها وسيلةً إلى الشرك، فيكف إذا وقع في الشرك؟ من بابٍ أولى وأحرى تحقّ عليه اللعنة، فكيف إذا عبدها وهذا هو الغاية التي يكون اتخاذ القبور مساجد ذريعةً إليها، واللعنة ليست مختصةً باليهود والنصارى بل تعم من فعل فعلهم، لأن الحكم معلل كما ذكرنا، فالتعليل أو ربط الأحكام بالعلل ليس خاصًا بالفروع كما يظن البعض، يتبادر الذهن إذا قيل علة، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا أنه ماذا؟ خاصٌ بالفروع حلال وحرام في مقام العمليات، وأما العلميات فليس فيه .. ، لا، نقول: كل حكمٍ شرعيٍ بل كل حكمٍ لله تعالى سواء كان كونيًا قدريًّا أو شرعيًّا فهو لعلةٍ وحكمةٍ عَلِمَهَا من عَلِمَهَا وجَهِلَهَا مَنْ جَهِلَهَا، لا يخلو الحكم البتة لا كوني ولا شرعي إلا وهو مقترنٌ بعلة. قالت عائشةٌ رضي الله تعالى عنها: (يحذر ما صنعوا) . هذا الكلام ظاهره من عائشة رضي الله تعالى عنها، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» . إلى هنا انتهى. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: (يحذر ما صنعوا) . هذا من كلامها رضي الله تعالى عنها، أي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعن اليهود والنصارى تحذيرًا لأمته أن يفعلوا ما فعلت اليهود والنصارى، فيقع بهم من اللعنة ما وقع بهم.