فهرس الكتاب

الصفحة 935 من 2014

إلى آخره، فحينئذٍ إذا جاءت الجملة خبرية ولم تكن واحد من أنواع الطلب الثمانية فالأصل فيها أنها خبرية، ولا تحمل على الإنشاء معنًى إلى بقرينة، هنا يحتمل حينئذٍ نقول: الأصل أن تُحْمَل على أنها خبرية فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - لإيقاع اللعنة على اليهود والنصارى من الله تعالى فهي واقعةٌ، وأما الدعاء فهذا لا يدل على أنه واقعٌ، أليس كذلك، الدعاء [لأنه يحتاج] ليس كل دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يكون مجابًا قد يكون وقد لا يكون، حينئذٍ نقول: الأصل حمله على أنها خبرية وحينئذٍ حقت اللعنة على اليهود والنصارى، لماذا؟ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( «لعنة الله على اليهود والنصارى» ) . فأخبر بأن اللعنة قد حقَّت ووقعت وهو كذلك.

إذًا الجملة محتملة لأن تكون خبرية على ظاهرها وهو الأصل، وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يخبر بأن الله لعنهم، فهو خبر يجب الإيمان والتسليم له، ويحتمل أنها خبرية لفظًا إنشائية معنى فيكون النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا عليهم وهو في سياق الموت بسبب هذا الفعل، قلنا: هما احتمالان، والأول أرجح من الثاني، واللعن يدل على ماذا؟ يدل على أن هذا الفعل الذي قد استحق اللعن بسببه أنه كبيرةٌ من الكبائر، لأن ما سيذكره ليس شركًا أكبر باعتبار ذاته، وإنما باعتبار ما يُفْضِي إلى الشرك وهو كبيرة في نفسه لكنه مستحق للعن، فدل اللعن على أنه كبيرةٌ من كبائر الذنوب وهو كذلك.

( «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا» ) كأنه قيل: لماذا؟ لماذا لعنهم الله تعالى؟ قال: لأنهم اتخذوا حينئذٍ تكون هذه الجملة للتعليل للحكم السابق، ما هو الحكم السابق؟ اللعنة، العلة ( «اتخذوا» ) كأنه قال: لأنهم اتخذوا. أراد أن يبين العلة التي من أجلها لُعِنَ اليهود والنصارى، ( «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ) هذه الجملة علةٌ للجملة السابقة، فلعنهم الله عز وجل لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، فلعنهم - صلى الله عليه وسلم -، لأنه إذا لعن الله تعالى لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك، فلعنهم - صلى الله عليه وسلم - على هذا الفعل بعينه وهو اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، أي كنائس وبيعًا، كنائس جمع كنيسة، وبيعة بِيَع جميع بِيعَة، يعني بكسر الباء وإسكان الياء وفتح العين بِيعَة، يتعبدون ويسجدون فيها لله تعالى، وإن لم يسموها مساجد، يعني العبرة هنا بالحقائق والمعاني لا العبرة بالأسماء، يعني قوله: ( «اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ) أي أمكنة للسجود عليها أو إليها أو عندها كما هو الشأن في الترجمة، سواء بنيت عليها مساجد كنائس بِيَع أو لا، إذ العبرة بماذا؟ بوجود الفعل الذي هو التعبد والتذلل والخضوع عند هذه القبور، متى ما وُجِدَ هذا المعنى وهو العبادة عند هذه القبور حينئذٍ نقول: جعل ذلك المحل مسجدًا. سواء سماه مسجدًا أو لا، بَنَى عليه بناءً سماه مسجدًا أم لا فالعبرة بالمعاني والحقائق لا بالأسماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت