المسألة الرابعة: في بيان منهجه في الكتاب. اشتمل الكتاب على سبعة وستين بابًا على خلافٍ يسير في عدِّ الأبواب، قيل: ست وستين. وقيل: سبع وستين؟ والخلاف في الباب الأول: (((كتاب التوحيد ) )، (وقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [سورة الذاريات: 56] ) . هل هذا باب أول، ثم (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) باب ثانٍ؟، أو هذه مقدمة و (باب فضل التوحيد) هو الباب الأول، فيه نزاع والصواب هو الأول، أن قوله: (وقول الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} ) . هذا هو الباب الأول. ويُعَنْوَنُ له بباب وجوب التوحيد، يعني: بيان حكم التوحيد، كما سيأتي، وبعضهم أسقط هذا، وبدأ العدِّ بـ (باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب) ، وله وجهه. يُترجم لكل بابٍ بترجمةٍ تفيد حكمًا خاصًا، أو حكمًا عامًا. يعني سَرَى فيه وجرى فيه على طريقة الإمام البخاري رحمه الله تعالى، أنه يبوب ويذكر حكمًا هذا الحكم قد يكون خاصًا كقوله: (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) . (من حقق التوحيد) إذًا محقق التوحيد هذا محكوم عليه (دخل الجنة) هذا حكمٌ خاص، إذًا هذا تبويبٌ لحكم خاص. وقد يُبَوِّب لحكمٍ عام كقوله: (باب ما جاء في الرقى والتمائم) . هذا عام لأن الرقى منها ما هو ممنوع، ومنها ما هو مشروع. والتمائم منها ما هو شركي متفقٌ على بطلانه، ومنها ما هو مختلفٌ فيه، ثم يذكر بعض الآيات والأحاديث والآثار التي تكون أدلة لهذه الترجمة لهذا الباب (باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب) ، ثم يذكر دليلًا من الكتاب والسنة. وهذا الدليل هو دليل للترجمة، فالترجمة نتيجة، يعني حكم مستخلص من أين؟ لا بد وأن يذكر له دليل خاص، أو يذكر دليل عام يدل على ذلك الحكم الذي ترجم به في الترجمة، وربما يجعل النص ترجمة وعنوانًا لأبوابه، يعني يقول: (باب قول الله تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} [الأعراف: 191] ) . أين الحكم؟ ليس عندنا حكم هنا، يعني لم ينص على حكمٍ، وإنما أتى بالنص مباشرة وجعله بابًا ترجمة عنوان، وهذا سلكه كثير فيما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى، ولم يذكر من الأحاديث والآثار إلا ما صح عنده هو والعبرة به هو لا بغيره، العبرة بالحكم على الأحاديث التي ذكرها المصنف رحمه الله تعالى بحكمه هو لا بحكم غيره إلا ما صح عنده إما بذاته وهو الصحيح لذاته، أو بغيره وهذا أعم فيشمل الحسن الذي يصح الاحتجاج به مع تخريجٍ للحديث باختصار.
ثم إذا ذكر الأدلة التي هي الأدلة لذلك الْمُتَرْجَم به في الترجمة يُذَيِّلُ كل بابٍ بمسائل وفوائد، هذه الفوائد وهذه المسائل إن دققت النظر وجدت أنه استخلصها من تلك الأدلة المذكورة للأصل الذي عنون له في الباب.
إذًا يذكر ترجمة، ثم يذكر دليل تلك الترجمة، ثم يقول: فيه مسائل. ويذكر ويعُدّ، تصل بعضها إلى الثلاثين. كل هذه استنباط وفوائد تُستخلص من ذلك النص، إما النص القرآني وإما النص النبوي، وإما أثر لبعض الصحابة. وحينئذٍ يذكره على الجادة.