قوله: ( {اعْبُدُواْ اللهَ} ) أي تذللوا له بالعبادة والطاعة سبق معنا العبادة، وعلى قول ابن عباس السابق معنا كل موضوع في القرآن ( {اعْبُدُواْ اللهَ} ) أي وحدوا الله. إذًا ما من رسول إلا وأمر بتوحيد الله جل في علاه. قوله: ( {وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ} ) أي ابتعدوا عنه بأن تكونوا في جانب، وهو في جانب، ولذلك عُبِّرَ هنا بـ (اجتنبوا) ولم يقل: اتركوا؛ لأن الترك لا يقتضي أن يكون ماذا؟ هو في جانب وأنت في جانب، بل عدم مباشرة عبادة الطاغوت تكفي، ولكن عُدِلَ عن هذا اللفظ إلى معنى أو إلى لفظٍ يحمل معنًى أغزر ففيه كثرة المعنى ( {اجْتَنِبُواْ} ) أي ابتعدوا كل الابتعاد بحيث يكون هو في جانب وأنت في جانب، هذا أبلغ من قوله: اتركوا. أي ابتعدوا عنه بأن تكونوا في جانب وهو في جانبٍ، وذلك أبلغ من قولهم: اتركوه. وفي (( أساس البلاغة ) )للزمخشري - وهذا كتاب مفيد - ... (وأَجْنَبَ وتَجَنَّبَ واجْتَنَبَ، وجَارٌ جُنُب وهو الذي جاورك من قوم آخرين، ليس من أهل الدار ومن أهل النسب، بعيد كل البعد) يقال: أجنبي. وهذا لا بأس به، يُنكره بعض المعاصرين. نقول: لا، دلّ عليه لسان العرب، الشيء إذا كان في جانب ولم تكن بينكما صلة لا في أرض ولا في نسب يُسمى أجنبي، فتقول: هذا أجنبي ما في بأس، وليس فيه مخالفة وليس فيه تفريق بين المسلمين ونحو ذلك، لا، الأمر واسع، وهؤلاء قومٌ أجانب هكذا. [قالوا] قالت الخنساء:
يا عَينِ ما لَكِ لا تَبكينَ تَسكابا؟ [1]
وابكي أخاكِ إذا جاورتِ أجناباَ [2]
جاورت أجنابًا يعني قومًا آخرين ليس بينكِ وبينهم لا نسب ولا اجتماع في دار.
(1) هذا صدر البيت الأول من القصيدة.
(2) هذا عجُز البيت الثاني وهو المقصود بالاحتجاج.