فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 2014

النوع الثاني: إحياء الموتى. هذا بعث كذلك، وقد خُصَّ بذلك بعض أولياؤه كعيسى عليه الصلاة والسلام وأمثاله. ومنه قوله تعالى: {فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} [الروم: 56] يعني يوم الحشر. وقوله عز وجل {فَبَعَثَ اللهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ} [المائدة: 31] أي قَيَّضَهُ. ومنه ( {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا} ) نحو {أَرْسَلْنَا رُسُلنا} ، ففسر في المفردات البعث بمعنى الإرسال، ولذلك قال بعض المفسرين: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} ) أي أرسلنا، فمعنى بعثنا هنا أرسلنا كما جاء في آيات أُخر {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ} [الأنبياء: 25] فعَبَّر بالإرسال، وهنا عبر بالبعث. قال الراغب: أصل الرِّسْلِ الانبعاث على التؤدة. إذًا فيه معنى البعث لكنه فيه نوع تؤدة فهو مخالف لمطلق الانبعاث. قال الراغب: أصل الرِّسْلِ الانبعاث على التؤدة، ويقال ناقة رِسْلَةٌ سهلة السير، وإبل مراسيل منبعثة انبعاثًا سهلًا، ومنه الرَّسول الْمُنْبَعِث أو الْمُنْبَعَث. الرسول الْمُنْبَعَث يعني: الذي بعثه غيره وهو الله جل وعلا، وتُصُوِّر منه تارةً الرفق فقيل: على رِسْلِكَ يعني على مهلك إذا أمرته بالرفق، وتارةً الانبعاث فاشتق منه الرسول، يعني يريد أن يبين لك الراغب أن قوله: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} ) لا يخالف ما جاء في التعبير بالإرسال، لأن الإرسال مشتق من الانبعاث فملاحظٌ فيه، فلا فرق بين {وَلَقَدْ بَعَثْنَا} {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ} . {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي} ) هذه للظرفية وهي حقيقة هنا أو مجازية إذا ادَّعَيْنَا ليس ثَمَّ هناك طائفة ونحو ذلك، ( {فِي كُلِّ أُمَّةٍ} ) كل ( {كُلِّ} ) مضاف، و ( {أُمَّةٍ} ) مضاف إليه، وكل هذه يعتني بها من حيث البحث الأصوليون، وهي مرادةٌ عندنا هنا ويُنبني عليها مسألة مهمة {كُلِّ} ) هذه من صيغ العموم، تكون من صيغ العموم إذا أريد [ضم الأجزاء] [1] ضم الذوات بعضها إلى بعض، لأن كل تفيد أن ثَمَّ شيئًا مجزأ ولكن هذه الأجزاء منفصلة هذا الأصل فيها {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ} [ص: 73] ملائكة ملك وملك وملك، كل ملك منفصل عن الآخر، ولذلك لا يكون في ذات المؤكد بها لا يصح التأكيد بها إلا إذا كان المؤكد ذا أجزاء، بنفسه أو بعامله، اشتريت العبد كله صح أو لا؟ صح، لا باعتبار العبد، العبد شيء واحد لا يُجَزّأ، لا تقل بعث يده وتركت رجله هذا الأصل فيه، وإنما اشتريته كله اشتريت العبد كله. إذًا التجزئة هنا واقعة بتلبس العبد بصفة هي للشراء والاشتراء، وأما عدا ذلك قد يقال: بأن هذا فيه نوع مجاز وأما ما عدا ذلك فالأصل أن المؤكد بها إنما يكون ذا أجزاءٍ منفصلة بعضها عن بعض هذا الأصل ولها استعمال آخر، إذا كان كذلك حينئذٍ يحتج بها في إفادة العموم إذا كانت بمعنى التأكيد أو للدلالة على ذوات منفصلة فتحتها أجزاء.

(1) سبق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت