وقد دل النص على ذلك كما ذكرناه، فالأول كقوله: ( {إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي} ) والأولى التعميم هنا، ولهذا نزل جواب للصحابة كما ذكرنا، والثاني الذي هو قربه من عابده بالإثابة كقوله - صلى الله عليه وسلم - «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأقرب ما يكن الرب من عبده في جوف الليل» من الذي يسجد؟ المؤمن، من الذي يقوم في جوف الليل فيعبد ربه؟ المؤمن. إذًا القرب هنا قربٌ خاص فيكون فيه إثابة «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأقرب ما يكن الرب من عبده في جوف الليل» . فهذا قربه من أهل طاعته. قال ابن القيم رحمه الله تعالى وأما القرب فلا يقع في القرآن إلا خاصًا يعني لا يرى أن القرب يكون نوعًا عامًا، لأنه لا ينقسم عنده، بل لا يكون إلا خاصًّا، ولذلك قال: وأما القرب فلا يقع في القرآن إلا خاصًّا، وهو نوعان قربه من داعيه بالإجابة، وقربه من عابده بالإثابة، وهذا رأيه كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وقلنا: الصواب أن القرب ينقسم إلى قسمين لقوله: {وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} والنص واضح بَيّن بأوله وآخره يدل على أن الضمائر هنا تعود إلى الباري جل وعلا، وحمله على الملائكة هذا خلاف الظاهر، ولذلك ابن السعدي رحمه الله تعالى خالف ابن القيم في ذلك فقال: والقرب نوعان:
قربه بعلمه من كل خلقه.
وقرب من عابده وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق.
قاله في التفسير.
إذًا نقول: الصواب في القرب أنه ينقسم كالمعية، قرب عام وقرب خاص للدليل على النص، والمسألة محتملة للخلاف يعني لا يُبَدّع فيها المخالف لأنه ليس الخلاف في أصله، ولذلك نقول: اتفقوا على أن قرب الله تعالى صفة من صفاته اللائقة به سبحانه، واختلفوا هل ينقسم أو لا ينقسم؟ هذا محل الخلاف، أما كونه صفةً للباري جل وعلا هذا متفق عليه، لا خلاف فيه بين أهل السنة والجماعة، لكن ينقسم كالمعية أو لا ينقسم هذا محل نزاع والخطب سهل.
وأما حديث أبي موسى المتقدم ( «إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ» ) ففيه القرب الخاص بالدَّاعين دعاء العبادة والثناء، وهذا القرب لا يُنافي كمال مباينته سبحانه لخلقه واستوائه على عرشه، فهو قريب مع إثبات العلو، مع إثبات المباينة والمفاصلة عن الخلق، مع إثبات استوائه على العرش، لأن كلاًّ من ذلك أثبته مَنْ؟ الشارع، فإذا كان كذلك فهو حقٌّ والحق لا يتناقض، فلا تنافي بين إثبات القرب مع كمال مباينته يعني مفاصلته من خلقه واستوائه على عرشه، بل يجامعه ويلازمه، فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض، يعني من نفى إنما تصور أولًا في ذهنه تقارب الأجسام ثم نفى، أو أوجد التعارض بين الصفتين، فمَثَّلَ أولًا ثم أوجد التعارض والتناقض بين الصفتين. بل نقول: لا يعارض كل منهما الآخر، فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض، ولكنه نوع آخر.