بمعنى أن اللفظ إذا كان عامًا وله سبب، سواء كان في الأحاديث أو في الآيات، ما الفائدة من معرفة سبب النزول؟ قلنا: القاعدة أن سبب النزول يُعين على فهم الآية، ثَمَّ فائدة أخرى وهي أن النص إذا ورد عامًا على سببٍ لا يمكن إخراج صورة السبب من اللفظ العام، لو كان عندنا لفظ عام هكذا، كل صورةٍ تحت العام يجوز عقلًا أن يأتي نص فيخرجها إلا في حالة واحدة، إذا كان هذا اللفظ العام على السبب الخاص، فهذه الصورة الآحاد لا يمكن إخراجها من اللفظ العام، حينئذٍ نقول: هي داخلة قطعًا وليست ظنًّا خلافًا لما روي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى فدخولها قطعي، بمعنى أنه لا يصح أن يَدَّعِي مُدَّعٍ بأن هذا اللفظ لا يشمل هذا السبب، حينئذٍ نقول: كلام الشوكاني هذا صحيح، وهذا هو الظاهر أن السؤال هنا عما هو أعم من ذلك، وهذا هو الظاهر مع قطع النظر عن السبب، وليس المراد إهمال السبب لا وإنما لا نقيد الآية بالسبب، بل نجعل اللفظ عامًا وهذا هو الصحيح في هذه المسألة، كما إذا جاء تفسير عن صحابي بل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «ألا إن القوة الرمي» فَسَّر القوة، {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} [الأنفال:60] القوة الرمي فقط؟ لو قال قائل النبي - صلى الله عليه وسلم - فَسَّر القوة بالرمي وأنت تقول: القوة الصواريخ؟ اعترض معترض نقول: هذا جمود، بل المراد كل ما يَتَقَوَّى به المسلم في حرب الكافر وإبادة الكافر، حينئذٍ يشمل ما لا يمكن حصره ويتعدد ويختلف باختلاف الأزمان والأعصار، الرّمي هذا فرد من أفراد القوة، لا يمكن إخراجها عن النص ولا يدل على تخصيص النص بما ذُكِرَ من المثال، ولذلك كثيرًا ما يذكر ابن تيمية وغيره أن كثيرًا من السلف إذا فسَّروا الآي من القرآن وهذا ينتبه له لأن البعض يفهم الحصر حينئذٍ ينفي فيقع في إشكال، فيذكر الصحابي مثالًا الآية يقول الآية كذا مثالها كذا، لا يلزم من ذلك أن غير هذا المثال ألا يكون داخلًا في النص، فذكرهم للتفاسير في الغالب في الأغلب الأعم إنما هو ذكر لمفردات تدخل تحت اللفظ، فحينئذٍ إذا أُريد الإلحاق إما بفهم لسان العرب، وإما بالقياس الواضح البين فلا يُعترض بأن الصحابي أو النبي - صلى الله عليه وسلم - فسّر الآية بكذا وكذا نقول: هذا لا يدل على الحصر، بل يدل على ذكر مثال يُفهم من تحت هذا اللفظ. وقوله: ( {فَإِنِّي قَرِيبٌ} ) قيل: بالإجابة، وقيل: بالعلم، ومعنى الإجابة هو معنى ما في قوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ} وقيل: معناه أقبل عبادة من عبدني بالدعاء، إذًا معنى الإجابة هو معنى قوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} قلنا: طلب ماذا؟ فيما مر معنا السؤال يكون بالمقال فجوابه يكون بالمقال، والقرب الخاص قربٌ من داعيه بالإجابة، وقد يكون بالإثابة، اللفظ هنا ( {فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ} ) معلوم أن الدعاء هو العبادة، والعبادة بالأفعال والجوارح هي عبادة ولا إشكال فيه، حينئذٍ ( {أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ} ) هل يشمل النوعين؟ نقول: نعم يشمل النوعين. ولذلك قال ابن القيم وغيره: قربه من داعيه بالإجابة هذا قسمٌ من القرب الخاص، وقرب من عابده بالإثابة.