الأولى: الذين قالوا: إن الأعمال ليست من الإيمان. وهم مع كونهم مبتدعة في هذا القول فقد وافقوا أهل السنة على أن الله يُعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم بالشفاعة كما جاءت به الأحاديث الصحيحة، وعلى أنه لا بد من الإيمان في الإيمان أن يتكلم به بلسانه، يعني أضافوا قول إلى الاعتقاد. حينئذٍ يكونوا أخرجوا الأعمال عن مسمى الإيمان، وهذا ما نُسب إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى في كونه جعل الأعمال شرط كمالٍ في الإيمان، وليست بركنٍ أو شرط صحة، على خلاف اللفظ في هذه المسألة، حينئذٍ هؤلاء وافقوا في كون من فعل معصية فإنه يُفَسَّق، وفي كون الإيمان يزيد وينقص، وبعضهم ينفي هذه المسألة، وفي كونه أنه قد يدخل ويعذب النار ويخرج بالشفاعة فأثبتوا الشفاعة، حينئذٍ الخلاف معهم في جزئيةٍ واحدة وهي أن الأعمال هي داخلةٌ في مسمى الإيمان أو لا. قال: وعلى أن الأعمال المفروضة واجبةٌ وتاركها مستحقٌ للذم والعقاب، وقد أضيف هذا القول إلى بعض الأئمة من أهل الكوفة كالإمام أبي حنيفة وشيخه ونحوهم.
أما الفرقة الثانية: فهم الذين قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق بالقلب وإن لم يتكلم به، بمعنى أنه أخرج ماذا؟ أخرج الأعمال - وهذا لا شك فيه - أخرج أيضًا القول فجعل التصديق الذي هو اعتقاد القلب أو فعل القلب أو قول القلب - اختلافٌ - حينئذٍ نقول: جعل التصديق كافٍ في وصف الإيمان لهذا الشخص، ولو لم يتكلم به. ولا شك في فساد هذا القول ومصادمته لأدلة الكتاب والسنة، فإن الإيمان قولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان، واعتقادٌ بالجنان. فإذا اختل واحدٌ من هذه الأركان لم يكن الرجل مؤمنًا بإجماع أهل السنة والجماعة، وعلى هذا أدلة الكتاب والسنة، ودرج على هذا السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة المسلمين، وهذا له فصلٌ خاصٌ يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.