حينئذٍ نفوا عنها أن يكون لها فاعل، وهذا الذي عناه رحمه الله تعالى قال: فإنه يتضمن إخراج بعض الحوادث وهي أفعال العباد عن أن يكون لها فاعل يعني خالق، فليس لها خالق، لأنه ليس ثَمَّ خالقٌ إلا الله عز وجل، وهذه لم يخلقها الله، إذًا ليس لها فاعل، ويتضمن ماذا؟ إثبات فاعل مستقلٍ غير الله، يعني ثَمَّ خالقون غير الله عز وجل، وهذا محل وفاق أنها ماذا؟ ما حكمه؟ شركٌ أكبر، {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} أليس كذلك؟ {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} هؤلاء جعلوا مع الله تعالى خالقين فمن اعتقد أن غير الله خلق هذا الكأس بمعنى الإيجاد من العدم على وجه التمام فهذا أثبت مع الله تعالى خالقًا، فيكون مشركًا شركًا أكبر في الربوبية.
قال رحمه الله تعالى: وهاتان شُعبتان من شعب الكفر، فإن أصل كل كفرٍ هو التعطيل والشرك، وقد وردت أحاديث في ذم القدرية وأنهم مجوس هذه الأمة وذلك لمضاهاة قولهم لقول المجوس. يعني ثَمَّ مشابهة بين المجوس الذين أثبتوا خَالِقَيْنِ للكون كذلك القدرية، فإن المجوس يُثبتون خَالِقَيْنِ خالق الخير وخالق الشرّ، خير وشرّ متقابلان كل منهما له خالق مستقل وهما النور والظلمة، فالنور خالق الخير، والظلمة خالقة الشر، وكذلك القدرية أثبتوا خَالِقَيْنِ أثبتوا أن الله خالق الحيوان خلق الإنسان وهذا لا نزاع فيه، وأن الحيوان يخلق فعل نفسه، فالله تعالى لا عَلاقَة له بفعل العبد البتة، وإنما الذي يُنْشِئْهُ ابتداءً وانتهاءً هو من؟ هو العبد نفسه، فمما ورد في ذمهم ما رواه أبو داوود في سننه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «القدرية المجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم» . ورُوِيَ في ذم القدرية أحاديث أُخَر تكلم أهل الحديث بصحة رفعها والصحيح أنها موقوفة.
وأول من تكلم في القدر معبد الْجُهَنِيّ رجعنا إلى الأصل، ثم غيلان الدمشقي، وكان ذلك في آخر عصر الصحابة وأنكر عليهم الصحابة وتبرؤوا منهم وبَدَّعُوهُم فالجبرية غلو في إثبات القدر، بمعنى أن كل ما يفعله العبد فالله تعالى أوجده هكذا، والقدرية غلو في نفيه وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى القول الوسط الذي تؤيده أدلة الكتاب والسنة فأثبتوا أن العباد فاعلون حقيقةً، وأن أفعالهم تُنسب إليهم على جهة الحقيقة، لا على جهة المجاز، وأن الله تعالى خالقهم، وخالق أفعالهم لأن خالق السبب خالق الْمُسَبّب، الْمُسَبّب هو الفعل، وهذا قائمٌ على سبب وهو الإرادة الجازمة والقدرة التامة، مَنِ الذي خلق الإرادة؟ الله عز وجل.
ومن الذي خلق القدرة التامة الله عز وجل وما نشأ عنهما فيكون الله تعالى خالقًا له.
قال الله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96] . وأثبتوا للعبد مشيئةً واختيارًا تابعين لمشيئة الله جل وعلا كما قاله سبحانه: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29] وسيأتي الكلام على هذه المباحث في محلها إن شاء الله تعالى.