وهذا هذه الجماعة التي وردت في هذا النصوص، وكذلك في بعض ما يدل عليه نصوص القرآن اختلف أهل العلم في تفسيرها، وإن كان اختلاف مختلف تنوع، وليس اختلاف تضاد، قد اختلف أهل العلم في المراد بالجماعة في هذه الأحاديث السابقة ونحوها على أقوال أهمها خمسة، والخلاف خلاف تنوع، وأنها مجتمعة كلها:
القول الأول: أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام، ويدخل فيهم أهل العلم والاجتهاد من بابٍ أولى وأحرى، لأن بعضهم خصّ هذه الجماعة بأهل العلم والاجتهاد، وحينئذٍ هذا فيه تخصيص، والحكم إنما المراد به العموم.
الثاني: أنها جماعة المجتهدين دون غيرهم من الناس. وهو اختيار البخاري والترمذي، وقال البخاري في كتاب الاعتصام بالسنة بابُ {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} [البقرة: 143] وما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلزوم الجماعة. قال البخاري: وهم أهل العلم. خصهم بأهل العلم. وقال الترمذي في كتاب الفتن من سنه: باب ما جاء في لزوم الجماعة.
الثالث: أنها جماعة الصحابة على وجه الخصوص. يعني دون غيرهم أهل السنة والجماعة، أي الصحابة، وهذا معنى صحيح.
رابعًا: أن المراد به الإجماع. لأن الإجماع هو اتفاق الأمة أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على حكمٍ ما وهو جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمرٍ ما.
خامسًا: أنها جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أميرٍ، فلا يجوز الخروج عليهم فيه. وهذا اختيار ابن جرير الطبري وهذه الأقوال كلها لا تعارض بينها، بل هي متلازمة وبعضها يقوي بعضًا.
قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه الجليل (( الباعث على إنكار البدع والحوادث ) )قال رحمه الله تعالى مبينًا أن هذه الأقوال كلها متداخلة وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فإن المراد بها لزوم الحق وإن كان متمسك به قليلًا، والمخالف له كثيرًا، فليست العبرة هنا في كونه سلفيًّا أو لا، من أهل السنة والجماعة أو لا، ليست العبرة بالكثرة، وإنما العبرة بما وافق الحق. قال: وإن كان المتمسك به قليلًا والمخالف له كثيرًا لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضي الله تعالى عنهم. ولا ينظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم، فمن احتج بأن الأشاعرة أكثر من أهل السنة وهم السواد الأعظم فدل على أنهم على حقٍّ؟ نقول: ليست العبرة بماذا؟ بالأكثر {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} [الأنعام: 166] {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ} [غافر: 61] ، {لَا يَعْلَمُونَ} [غافر: 57] .. إلى آخر، بل ما جاءت الكثرة في الكتاب والسنة إلا مذمومة. إذًا لا ينظر إلى الكثرة أهل الباطل بعدهم.
وقال ميمون بن مهران: قال ابن مسعود رضي الله عنه: الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك.
وقال نعِيم بن حماد أو نُعَيْم بن حماد: إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد وإن كنت وحدك، فإنك أنت الجماعة حينئذٍ. ذكره البيهقي وغيره.