الصفحة 74 من 883

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب (( إعلام الموقعين ) ): واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده. إذًا ما وافق الحق ولو كان واحدًا نسميه السواد الأعظم، ونسميه الجماعة لأن العبرة هنا بالإصابة فمن أصاب الحق فهو على الحق، وإن خالفه أهل الأرض، وقد شذ الناس كلهم زمن الإمام أحمد بن حنبل إلا نفرًا يسيرًا فكانوا هم الجماعة، يعني: النفر اليسير، وكان الفقهاء والمفتون والخليفة وأتباعه هم الشاذين، يعني العبرة هنا بالحقائق وليست بالكثرة الظاهرة، وكان الإمام أحمد وحمد وحده هو الجماعة، ولما لم يتحمل هذا عقول الناس قالوا للخليفة: يا أمير المؤمنين تكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون كلهم على الباطل، وأحمد وحده على الحق، فلم يتسع علمه لذلك. وظن أن الكثرة هي الدالة على الحق، فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل فلا إله إلا الله ما أشبه الليلة بالبارحة. يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وهي السبيل المهيع لأهل السنة والجماعة حتى يلقوا ربهم، مضى عليها سلفهم وينتظرها خلفهم {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23] ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهى كلامه رحمه الله تعالى بتصرف. إذًا العبرة بإصابة الحقيقة وليست بالكثرة.

والحاصل في مفهوم أهل السنة والجماعة أنها الفرقة التي وعدها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنجاةِ من بين الفرق، ومدار هذا الوصف على إتباع السنة، وموافقة ما جاءت به من الاعتقاد والعبادة والْهَدْيِ والسلوك والأخلاق وملازمة جماعة المسلمين، وبهذا لا يخرج تعريف أهل السنة والجماعة عن تعريف السلف، وقد عرفنا أن السلف هم العالمون بالكتاب والسنة المتمسكون بالسنة. إذًا فالسلف هم أهل السنة الذين عناهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأهل السنة هم السلف الصالح ومن سار على نهجهم، وهذا هو المعنى الأخص لأهل السنة والجماعة، فيخرج من هذا المعنى كل طوائف المبتدعة وأهل الأهواء كالخوارج والجهمية والقدرة والمعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع ممن سلكوا مسلكهم. حينئذٍ السنة تقابل البدعة، والجماعة تقابل الفرقة، وهو المقصود في الأحاديث التي وردت في لزوم الجماعة والنهي عن التفرق، وهو الذي عناه ترجمان القرآن عبد الله بن مسعود يعني مع ابن عباس عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير قول الله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] اشتهر عن ابن عباس أنه قال: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة. ولفظ السلف الصالح يُرادف مصطلح أهل السنة والجماعة، كما يُطلق عليهم أيضًا أهل الأثر، ويطلق عليهم أهل الحديث، والطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، وأهل الإتباع، وهذه الأسماء والطلاقات مستفيضة عن علماء السلف، والعبرة بالمعاني والحقائق دون الأسماء، إذ

كلٌّ يَدَّعِي وصلًا بليلى

وإذا جئنا إلى المعتقد حينئذٍ وجدنا مخالفة لأئمة السنة.

والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت