إذًا أهل السنة والجماعة هم (الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ) وهم الطائفة (الْمَنْصُورَةِ) و (الْفِرْقَةِ النَّاجِيَةِ) والطائفة (الْمَنْصُورَةِ) بمعنًى واحد. ولكن وصفها بأنها ناجيةٌ باعتبار الآخرة، وفي ذلك أيضًا نجاةٌ في الدنيا، ووصفها بأنها منصورةٌ باعتبار الدنيا وكذلك الآخر.
قال المصنف: (أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) وهذا وصفٌ ثالث لهذه الفرقة، وتحقيق هذه المسألة اعتنوا به لأن ثم من ينازع في هذه المفهومات، طالب العلم إذا عجز عن أن يقيم الأدلة على أن هذه الأوصاف الثلاثة خاصة بموصوفٍ واحدٍ تبقى مشكلة وخلل عند طلاب العلم، لأن الآن من ينازع في الأشاعرة أنهم من أهل السنة والجماعة، وهناك من ينازع بأن الماتريدية من أهل السنة والجماعة، بل من يريد أن يدخل حتى الرافضة في أهل السنة والجماعة، بل حتى المشركين من الصوفية ومن كان على شاكلتهم من أهل السنة والجماعة!.
هؤلاء ليسوا داخلين في الإسلام فضلًا عن أهل السنة والجماعة، فكيف يدخلون؟ طالب العلم إذا ما عنده حنكةٌ في رد هذه البدع حينئذٍ يقع في شيءٍ من الضعف، فاعتنوا بهذه المسألة، الفرقة الناجية حقيقتها حديث الافتراق من حيث الثبوت هل هو ثابتٌ أم لا؟ اقرؤوا في ما كتبه أهل العلم، كذلك من حيث الاستدلال، ثم الرد على ما ذكره السفاريني لأن أكثر من يتمسك يتمسك بكلام السفاريني. ونقول: السفاريني هو مخلطٌ في باب المعتقد، ولا نعده بأنه صافي من كلِّ وجهٍ في باب الاعتقاد، و (( لوامع الأنوار ) )دليلٌ واضحٌ بَيّن على ذلك، وتدريس منظومته إنما أهل العلم اختاروها لأنه يعني يحتج بكلام شيخ الإسلام كثيرًا وليس ممن يؤصّل مسائله على أصول أهل البدعة، وإنما يقع عنده تخليط أو مجاملة أو مصانعة كما قال بعض المحشيين.
(أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ) هذا الوصف الثالث. قوله: (أَهْلِ السُّنَّةِ) أي المختصون والمتمسكون بها، والمعتنون بدراستها وفهمها، المحكمون لها في القليل والكثير، هذا المراد بـ (أَهْلِ السُّنَّةِ) ، (أَهْلِ) يعني أصحاب (السُّنَّةِ) أي المختصون والمتمسكون بها سواءٌ كانوا عن دراسةٍ لها أو عن عملٍ، ليشمل العوام فليس هذا الوصف خاصٌ بالعلماء، وإنما هو وصفٌ عام لكل من كانت حجته هي سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، المحكمون لها في القليل والكثير. إذ السنة في اللغة مشتقةٌ من سَنَ يَسِنُّ أو سَنَ يَسُنُّ يعني إما بكسر السين يَفْعِلُ أو يَفْعُلُ، سنًّا فهو مسنونٌ، وسَنَّ الأمر بينه، والسنة الطريقة والسيرة يعني في اللغة محمودة كانت أم مذمومة. ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني المراد بها الطريقة: «لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم شبرًا بشرٍ وذراعًا بذراع» . والحديث في الصحيحين: «سَنَنَ من كان قبلكم» يعني طريقة من كان قبلكم، طريقتهم في الدين والدنيا كذلك، وقوله - صلى الله عليه وسلم: «من سنَّ في الإسلام سنةً حسنة» يعني طريقةً حسنة «فله أجرها وأجر من عمل بها من بعدِهِ» أو «من بعدَهُ، من غير أن ينقص من أجورهم شيء ومن سن في الإسلام سنةً سيئة» . الحديث رواه مسلم. أي سيرةً وطريقةً، المراد بالسنة هنا السيرة والطريقة.