قال ابن القيم في مواضع عديدة: ولو لم يقل به أحد ممن سبق. وهذه تفهم على ظاهرها، (أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ) ، (الَّتِي تَلَقَّاهَا أَهْلُ) بالرفع يعني فاعل لتلقى (أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ) أي أهل العلم بالحديث وهم علماء الحديث العالمون بأحوال نبيهم، الضابطون لأقواله وأفعاله والمعتنون بها، يعني إذ عرفنا أن الحديث قد يعتريه الصحة والضعف حينئذٍ من الذي يُمَيِّز هذا عن ذاك؟ من الذي يميز؟ من عرف أحوال الأسانيد هو الذي يحكم بكون هذا الحديث ثابتًا أو لا، لأن العلى كما تكون في السند كذلك قد تكون في المتن فلا بد أن يكون عارفًا بذلك بأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأحواله، فهذه الأخبار الأحاديث الصحاح تفيد العلم عند من له عناية بمعرفة ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ومعرفة أحوال دعوته على التفصيل، وهنا لا نحتاج على طريقة أهل السنة والجماعة أن نقول: هذه الأحاديث الصحاح منها متواتر ومنها آحاد، لأنه لا فرق بينهما خلاف أهل البدع حينئذٍ يقسمون السنة إلى متواتر وآحاد، وهذا التقسيم قد ظُلِمَ من المتأخرين فجعلوا التقسيم في ذاته أنه بدعة ولا يعرف إلا عن المعتزلة وهذا غلط سوء فهم، وإنما الذي عناه ابن القيم في مواضع وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عَنَوْا ما رتب من حيث القبول والرد على هذا التقسيم، وأما التقسيم من حيث عدد الرواة فهذا لم يخالف فيه أحد، ولذلك البخاري في جزء القراءة نص على أن الحديث الوارد في قراءة الفاتحة قال: هذا تواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يعني كَثُرَ عَدَدُهُ، نعم بعض الشروط التي ذكرها بعض المتأخرين قد يُنَازَع في ثبوتها، لكن التقسيم معروف عند المتقدمين، هذا متواتر، وهذا آحاد، لكن نأتي نقول: هذا المتواتر يُقبل وهذا الآحاد الذي ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسند المتصل لا يُقبل؟ هذا التقسيم من حيث ترتب الأحكام بالقبول والرد هذا بدعة لم يعرف إلا عن المعتزلة وأضرابهم وليس عن السلف البتة، بل قاعدة السلف كثر العدد أم قل ما دام أن الحديث وصل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بسندٍ صحيح ورواه الثقات حينئذٍ وجب القبول ولو لم يروه إلا واحد ثقة، وهذا لا خلاف فيه بين أهل السنة والجماعة، أما ما يترتب على أخبار الآحاد من كونها لا تقبل في باب العقائد هذا من بدع أهل البدع من المعتزلة وغيرهم، فإن أهل الحديث لهم فقه خاص في الحديث مختصون بمعرفته كما يختص البصير في معرفة النقود جيدها ورديئها خالصها ومشوبها، وقد امتحن غير واحد من هؤلاء العلماء في زمن أبي زُرْعَة وأبي حاتم فوُجِدَ الأمر على ذلك، فقال السائل: أَشْهَدُ أن هذا العلم إلهامٌ.