إذًا قوله: (الصِّحَاحِ) . ليس فيه احتراز عن الحسان، بل المراد هنا ما يقابل الضعيف، فالضعيف لا يُقبل، وأما الحسن لغيره فهذا محل نزاع، هل هو في قسم الصحيح أو أنه في قسم الضعيف؟ أكثر المتقدمين على أن - وهو ظاهر كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى - أن الحسن لغيره هو الضعيف الذي انجبر بمجموع طرقه فارتقى إلى أن يقبل. هذا الذي عناه بأنه يقبل في فضائل الأعمال، الذي عَبَّرَ عنه بكونه ضعيفًا. فحينئذٍ نقول: هذا النوع الحسن لغيره هو الذي يُعبر عنه السلف بأنه إذا جاءت الأحاديث الضعاف في باب الفضائل تساهلنا، بمعنى أنه إذا حكم بكونه ضعيفًا ليس حسنًا لغيره حينئذٍ لا يجوز العمل به، ولو كان في باب فضائل الأعمال، وهذا هو الحق أنه يُشترط الصحة والحسن لذاته فيما يُتعبد به الباري جل وعلا، وأما ما لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز التقرب به، وأما قول من يقول بأنه يعمل به ولا يعتقد أنه سنة هذا لا يجوز القول به، هذا بدعة، لأنه إذا لم يعتقد أنه سنة إذًا يعمل بماذا؟ قلنا: التشريع منحصر في الوحي، وكل ما ليس من الوحي ليس من الدين في شيء. فحينئذٍ كيف يتعبد الباري جل وعلا بشيء لا يعتقده فيجلس بعد الصباح إلى شروق الشمس ثم نقول: لا يعتقد أنه سنة. نقول: هذا ليس بصواب.
قوله: (الَّتِي تَلَقَّاهَا) . وصف الصحاح الأحاديث الصحاح بكونها متلقاة (الَّتِي تَلَقَّاهَا) أي هذه الأحاديث الصحاح يعني قبلها وأخذها يُقال: تلقى القول وتَلَقَّنَهُ وتَلَقَّفَهُ وهي صفة كاشفة لا مُقيِّدةٌ، يعني الأحاديث الصحاح هل عندنا أحاديث صحاح لم يتلقاها أهل المعرفة؟ نقول: لا، ليس عندنا هذا، فكُلّ ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجب قبوله، وعليه نقول: (الَّتِي تَلَقَّاهَا) هذه صفةٌ كاشفة وليست صفةً مُقَيِّدة خلافًا لما قاله بعض شراح (( الواسطية ) )في هذا الموضع أنها صفة للاحتراز، الصواب: لا، كل ما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجب قبوله ولا يجوز رَدُّه أو التوقف فيه البتة.