لكن الحقائق هي المعتبرة، يعني كونه سمى نفسه أنه من الفرقة الناجية، أو أنه من أهل السنة والجماعة، اللفظ لا يكفي، لأن هذا اللفظ لفظٌ شرعي إما من جهة كونه قد سُمِّيَ في بعض النصوص كالطائفة المنصورة، وإما أنهم من حيث إجماع السلف الصالح على اللفظ، اللفظ لا إشكال فيه، لكن الحقائق قد تختلف، وإذا اختلفت الحقائق فحينئذٍ مردنا إلى فهم السلف. خذ مثال الإيمان، الإيمان لفظ شرعي لكن في معناه تباينت الفرق، ثَمَّ معنًى صحيح ثابت عن السلف بإجماع، وثَمَّ معانٍ مختلفة، الجهمية عندهم تفسير، والأشاعرة لهم تفسير، والرافضة لهم تفسير وتعريف، وكذلك الصوفية لهم تفسير وتعريف، نقول: هذه كلها إن ادعو أنها داخلةٌ في مسمى الإيمان حينئذٍ يكون بيننا وبينكم الكتاب والسنة، فنعرض هذه المعاني على الكتاب والسنة فما وافق قُبِلَ، وما خالف رُدَّ على أصحابه وإن كان في واقع أو نفس الأمر أن المعنى مجمعٌ عليه من حيث الإجماع.
قلنا: ليس ذلك بالإدعاء، يعني كل واحد يدَّعِي أنه من أهل السنة والجماعة ليس ذلك بالإدعاء والتثبت باستعمال الوهم القاصر والقول الزاعم بل بالنقل عن جهابذة هذه الصنعة، يعني أئمة السنة حكموا بذلك، وليست المسألة مسألة اجتهادية، وإنما هو النظر في هذا اللفظ باعتبار ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكل معنًى حدده النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يجوز الاجتهاد فيه البتة، وذلك عندنا حقائق شرعية، يعني مفاهيم شرعية لبعض الألفاظ الشرعية، هذه ليست محلًا للاجتهاد، مفهوم الصلاة ليس محلًا للاجتهاد في الجملة، ومفهوم الصيام ليس محلًا للاجتهاد، وإن اختلفوا في بعض الجزئيات الكلام في الجملة، كذلك الصيام، كذلك الحج، كذلك الزكاة، كل هذه مفاهيم مجمعٌ عليها من حيث الجملة وليست محلًا للاجتهاد. كذلك مفهوم أهل السنة والجماعة مجمعٌ عليه عند أئمة السنة وليس محلا للاجتهاد وإن ادَّعَى بعضهم أنه داخلٌ أو يشمله هذا الوصف وهو بعيدٌ عنه. قال: بل بالنقل عن جهابذة هذه الصنعة وأئمة أهل الحديث الذين جمعوا صحاح الأحاديث في أمر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وأحواله وأفعاله وحركاته وسكناته، وأحوال الصحب والتابعين كالشيخين وغيرهما الثقات المشاهير، الذين اتفق أهل المشرق والمغرب على صحة ما في كتبهم، وتكفل باستنباط معانيها، وتكفل يعني أئمة السنة باستنباط معانيها وكشف مشكلاتها.