وليس المراد هنا بكونها سلمت من البدع ألا تقع في معاصي، لا، إنما المراد هنا [ما يقابل السنة] ما يقابل البدعة فهما متقابلان كما سيأتي في وصف أهل السنة والجماعة. إذًا «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» يعني من حيث الاعتقاد بالمجموع، لا بد أن يكون على وصفٍ تام، وأما من حيث الوقوع في المعصية أو لا فليس داخلًا في الوصف، إذ قد ينجو من النار بسبب عدم وقوعه في بدعة لكن قد يقع في معصيةٍ ويستحق الدخول النار حينئذٍ كونهم ناجين من النار في الآخرة لا يستلزم عدم التعذيب على ما دون البدعة التي تكون في الاعتقاد، هذا المراد عند أئمة السنة.
قال الأبادي في (( عون المعبود ) ): والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية. يعني الفرقة التي زكاها النبي - صلى الله عليه وسلم - هي كما قال هنا أهل السنة والجماعة، وهي الفرقة الناجية.
وقال المباركفوري في (( تحفة الأحوذي ) ): والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية. ويقول المناوي في (( فيض القدير ) ): فإن قيل ما وثوقك بأن تلك الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة لأن المصطلحات عندنا ثلاثة وكلها مجمع عليها، وإنما حاول أهل البدعة أن يشككوا في بعض معانيها أو في إدخال من لم يدخل تحتها:
-أولًا هي التي ذكرها شيخ الإسلام الثلاث أوصاف هنا: الفرقة الناجية، الطائفة المنصورة، أهل السنة والجماعة. بإجماع السلف لا خلاف بين السلف أن هذه الطوائف وإن تعددت أسماؤها فهي تصدق على شيءٍ واحدٍ، فليس المراد بالفرقة الناجية غير ما أريد بالطائفة المنصورة، وليس ما أريد بأهل السنة والجماعة غير ما أريد بالطائفة المنصورة أو الفرقة الناجية، وهذا محل إجماع بين السلف، لأن الذي بين الفرقة الناجية مَنْ؟ هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، من الذي شرحها؟ هو النبي عليه الصلاة والسلام لقوله السابق: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» ) يعني: من كان متأسيًا مقتديًا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فهو داخل في هذا الوصف. فإن قيل: ما وثوقك بأن تلك الفرقة الناجية هي أهل السنة والجماعة مع أن كل واحدٍ من الفرقِ يزعم أنه هي دون غيره. الجهمية يرون أنهم أهل السنة والجماعة، والمعتزلة يرون أنهم أهل السنة والجماعة، وكذلك الأشاعرة، حتى الرافضة يدَّعُون أنهم أهل السنة والجماعة وأنهم مسلمون وغيرهم ليسوا بمسلمين. إذًا:
كل يدَّعِي وصلًا بليلى