الصفحة 59 من 883

إذًا هي فرقةٌ نارية لكنها ليست على وجه الخلود. «كلهم في النار إلا واحدةً» . قالوا: من هي يا رسول الله؟ استفسار عن الواحدة، يعني لا يُسأل عن من هلك كيف هلك لم يسأل عن أولئك اثنتين والسبعين الذين في النار، ما الذي أدخلهم، وإنما سألوا عن ماذا؟ عن الذين نَجَوْ كيف نَجَوْ، واضح هذا؟ انظر قال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم: «كلهم في النار إلا واحدةً» . قد يقول قائل: ما هي أسباب دخولهم النار؟ ويترك الفرقة الناجية. نقول: لا، ليس هذا من صنيع السلف وليس بالحكمة، لأن الأسباب أسباب دخول النار كثيرة، وقد تتزايد ويحصل لها نوع تطور من زمن إلى زمن، فلا تنتهي، المعاصي لا تنتهي، والبدع لا تنتهي، والكفريات لا تنتهي وإن كانت أصولها معلومة من الدين، لكن من حيث التفريع فهذا لا ينتهي، لكن أسباب النجاة هذا منحصر في الكتاب والسنة، منحصر في التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، حينئذٍ العلم به هو الأصل، ولذلك من فقه الصحابة هنا ما سألوا عن الفرق النارية كيف وقعوا ودخلوا النار، ما الذي أخرجهم من السنة؟ ولم يستفصلوا في ذلك وإنما سألوا عن ما أو عن من نجت، كيف نجا. قالوا: من هي يا رسول الله «إلا واحدةً» فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مبين صفة هذه الفرقة الناجية، لماذا نجت هي الدنيا ونجت في الآخرة؟ لأنهم توقفوا على منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يتعدَّوا منهج النبي - صلى الله عليه وسلم - لا في الاعتقاد ولا في العمل، لا في الأصول ولا في الفروع، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» . «من كان» ، «من» هذه في الأصل أنها للعالم، فهي أوصافٌ للفرقة من حيث الأفراد، لكنه على جهة العموم «من» ولم يقل ما كان، قال: «من» لأن ما للأوصاف لمن لا يعقل، وأما من لم يعقل حينئذٍ حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - على الأفراد الذين يدخلون تحت هذا الوصف الفرقة الناجية بأنه «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» . ... «مثل ما» أي الذي وهذا صيغة عموم فيدل على دخول المعتقد ودخول كذلك ما يتعلق بالفروع، يعني يشمل الدين كله، لأن الإحداث كما يكون في باب الاعتقاد كذلك يكون في باب الفروع، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا» المراد بأمرنا ديننا، والدين يعم الأصول والفروع «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ» ، «من عمل، عمل ليس عليه أمرنا فهو ردٌ» حينئذٍ البدعة تدخل في باب الاعتقاد وتدخل كذلك في باب الفروع. وقال الترمذي: هذا حديثٌ غريب مفسرٌ لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وطعن بعضهم في هذه النصوص بأنها ضعيفة، والصواب أنها كلها ثابتة بمجموعها، والوصف هذا متفق عليه عند أئمة السنة، أن أهل السنة والجماعة يوصفون بالفرقة الناجية على المعني الذي فسره النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحينئذٍ نقول: الفرقة الناجية التي بين النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها ناجية في الدنيا يعني سالمةٌ من الوقوع في البدع وبذلك سلمت من الوقوع في النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت